اخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات » حفلة إعدام

حفلة إعدام

شبكة عراق الخير : حفلة إعدام ,, بقلم زهير شهيد عبد الله

لا زلت أتذكر ذلك اليوم الرهيب المختلف من خريف عام 1983 بكل تفاصيله المؤلمة والتي شغلت حيزا في ذاكرتي لن تمحى بتقادم الزمن ..
كنت صبيا بعمر 14 عام في الصف الثاني متوسط من مدرسة (الثائر العربي) القريب منها معسكر للجيش الشعبي (آنذاك) وكانت إستراحة الدرس الثاني توشك على النهاية ليدق الجرس إيذاننا ببدء الحصة الثالثة ، لينتهي بعدها دوي صوت الطلاب في ساحة المدرسة ويتأهبوا بصرخاتهم وتدافعهم على السلم وضحكاتهم للدخول لصفوفهم ليبدأ الصمت يخيم شيء فشيئا على كل أركان المدرسة لوقع أصوات أقدام المدرسين بإتجاه حصصهم ..
كانت للمدرسة شبابيك تطل على المعسكر المذكور ويعلوها شارع ترابي على نهر الفرات أسرعنا أنا وزملائي بالدخول لصفنا في الطابق العلوي حين تأخر أستاذنا قليلا عن الحضور طرق مسامعنا صوت أهازيج حماسية تتغنى بحب (القائد) والوطن والمعركة (الحرب العراقية الإيرانية 1988 – 1980) صادرة من مكبرات صوت المعسكر وسيارات (لاندكروز) وأخرى عدة يزينها علم الدولة وصور القائد فهرعنا إلى الشبابيك وذهلنا ما رأينا ..
كان العمر فينا جله لعب والسن ضاحكة تلهو بأي شيء أمامها قبل أحداث ذلك اليوم الذي كانت فيه الشمس الخريفية الباهتة خجلة أو خائفة من الظهور ..
تسابقت أقدامنا لنتسلق سور المدرسة بإتجاه التلة الترابية التي كانت تعلو المعسكر فهتزت نفوسنا الصغيرة لمشهد لم نألفه في مدينتنا ..
مجموعة من الرجال بلباسهم (الزيتوني) يجلسون على كراسي أعدت بإتجاه واحد ، وعلى مسافة ليست ببعيدة أمامهم وضعت أربعة قطع من القماش الأبيض كسجادات (ولكنها ليست للصلاة) بل لأخذ وضع الانبطاح لأربعة رجال مدججين برشاشاتهم في لحظة تنفيذ الحكم بالإعدام رميا بالرصاص الحي على أربعة شبان خائري القوى ، رثة ملابسهم ، حفاة أقدامهم أنزلوا من سيارة يعلوها قفص أوصدت أبوابه بإحكام وملئت حرسا شديدا ..
ألبسوهم أكياسا سوداء وغطوا وجوههم وشدوا وثاقهم بقوة لأعمدة حديدية (شيلمان) خلف سدة ترابية أعدت كميدان للرمي ..
خيم صمت بدء حفلة الموت على وجه كل الحضور وهربت الطيور وساد صمت رهيب إيذاننا لتناول كأس الموت الزئام ..
أذن وتمتم أحدهم بكلمات بهتاف ووعيد واقتصاص من مجرمين (حسب قوله) فأنطلقت من فوهات البنادق زخات من الرصاص المنهمر مخترقا الرؤوس والحبال الموثوقة والصدور العارية إلا من قطعة قماش لا تقي من حر ولا من برد ولم نعرف تهمتهم إلى اليوم ..
ما زال عالقا في ذهني رؤية أحد المجني عليهم يتقدم ببطأ بعد أن اخترقت الرصاصات الحبل والجسد معا ليتقدم ببطأ إتجاه الرماة ففزع أحدهم وكاد ينهض ويلوذ بالفرار من هول المنظر ؛ ثم هوى قريبا منه مضرجا بدمه ..
أكمل آخر المهمة بإطلاق رصاصات (اللارحمة) من مسدسه الشخصي لتنهي أحاسيس أنفاس ما تبقى من تلك الجثث الهامدة ودمها المسفوح على تراب المعسكر ..
هتف الحاضرون بحياة (القائد الضرورة) وعلا التصفيق والهتاف من كل رفاق الموت ..
حملت سيارة الإسعاف التي كانت تنتظر الحادثة (على غير موعدها) الجثث المضرجة ، مسرعة باتجاه مستشفى الهندية الوحيد آنذاك في جانب الصوب الكبير (على ما أعتقد) أو بإتجاه كربلاء ..
أما نحن الفتية فعدنا ادراجنا لمدرستنا منكسرين غادرتنا الضحكة يعلونا ذهول مر من شدة وهول ما رأينا وحتى توبيخ مديرنا (الأستاذ حسان فليح) المؤلم لم نكن نشعر به في حينها ..
ورغم مرور 35 عاما على تلك الحادثة وذلك المشهد الرهيب لازال الألم يتجدد في كل يوم حين أقود سيارتي بإتجاه ذلك المعسكر (فوج الطوارئ الآن) وينزف الجسد الحي دمه الزكي حين أتذكر كيف أختفى العدل في تلك اللحظات عن مدينتي (طويريج) الساكنة على نهر الفرات …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: