اخبار عاجلة
الرئيسية » اخبار تكنلوجية » زيكا: البعوض هو الداء والدواء؟

زيكا: البعوض هو الداء والدواء؟

55989

يواصل فيروس زيكا انتشاره بلا هوادة في مختلف أرجاء أمريكا اللاتينية وخارجها، متسبباً في معاناة أليمة للآباء والأمهات الذين ينتظرون ولادة أطفالهم، وتاركاً وراءه العديد من الأطفال الذين يعانون من مشاكل نمو حادة تستمر مدى الحياة. ولذلك فإن البحث عن وسيلة للقضاء على الوباء في مهده قد أصبح ملحاً للغاية.

ولكن من المرجح أن يستغرق تطوير لقاح فعال عدة سنوات، ولا تزال فعالية الأساليب الحالية للقضاء على بعوض الزاعجة المصرية الذي يحمل الفيروس جزئية فقط.

وهنا يأتي دور البعوضة الودودة، كما تسميها الصحافة البرازيلية. وبالنسبة للعلماء الذين عكفوا على تطويرها طوال السنوات الـ14 الماضية، تسمى OX513A – وهي بعوضة معدلة جينياً تتزاوج بمجرد إطلاقها في البيئة وتنتج نسلاً غير قادر على العض ويموت قبل أن ينضج، وبالتالي يحل محل أكثر من 90 بالمائة من البعوض البري الحامل للفيروس خلال ستة أشهر.

وقد خضع البعوض الودود بالفعل لتجارب ميدانية ناجحة في بنما وجزر كايمان والبرازيل، حيث تمت الموافقة على استخدامه من قبل السلطات التنظيمية الوطنية.

ومن فرط إعجاب السلطات المحلية بمدينة بيراسيكابا في ولاية ساو باولو بنتائج التجربة الأولية الصغيرة في العام الماضي وافقت على مشروع أكبر سوف يشهد قريباً إطلاق البعوض في وسط المدينة.

وقد استعانت أوكسيتك (Oxitec)، الشركة التي تتخذ من مدينة أوكسفورد الإنجليزية مقراً لها والتي طورت البعوض الذي يقضي على نفسه، في الأشهر الأخيرة بطلاب الدراسات العليا في علم الأحياء والعاملين في مجال الصحة العامة لإنشاء أكشاك في ساحة المدينة الرئيسية والمرور على المنازل لشرح المشروع للسكان المحليين.

“من غير المعتاد إطلاق البعوض بدلاً من قتله، ولذلك نريد أن تفهم المجتمعات المحلية ما نقوم به، ونشرح لهم كيفية عمل هذه التقنية، والأسباب التي تجعلها آمنة، وأيضاً سماع شكوكهم،” كما أفاد غييرمي تريفياتو، الذي يشرف على التجارب الميدانية في بيراسيكابا.

واضاف “في البداية، وجد الجميع الأمر غريباً، ولكن بمجرد أن يفهموا كيفية عمله، يتحمسون حقاً لتجربته. إنهم إيجابيون حقاً”.

ولا تعاني بيراسيكابا حتى الآن من تفشي فيروس زيكا ولكنها في خضم تفشي حاد لحمى الضنك، وهو واحد من عشرات الأمراض التي يمكن أن تهدد الحياة ويحمله بعوض الزاعجة المصرية (شيكونغونيا مرض آخر).

وتجدر الإشارة إلى أن البرازيل أعلنت خلوها من حمى الضنك والبعوض في سبعينيات القرن الماضي بعد حملة رش واسعة النطاق استخدمت فيها مبيد دي دي تي (DDT) – وهو مبيد فعال للغاية وطويل الأمد، ولكن تبين لاحقاً أنه سام للغاية وضار للبيئة وصحة الإنسان، وبالتالي تم حظره في نهاية المطاف في معظم البلدان.

وكانت المبيدات التي حلت محل دي دي تي أكثر أماناً ولكن أقل فعالية. كما أن حملات الرش نادراً ما تصل إلى داخل المنازل، حيث تعيش وتتكاثر نسبة تصل إلى 50 بالمائة من البعوض. وحتى عندما يتم رش المنازل من الداخل، عادة ما ينخفض عدد أسراب البعوض بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمائة فقط، وفقاً لهيدن باري، الرئيس التنفيذي لشركة أوكسيتك.

وأشار باري إلى أن الرش ليس له أي تأثير على بيض البعوض ويرقاته، التي يمكن أن تتواجد في كميات صغيرة من المياه الراكدة في وعاء نبات أو مزراب مسدود، ويمكن أن تنتج جيلاً جديداً من البعوض بعد عدة أيام من الرش.

وأكد في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من مقر أوكسيتك في منطقة صناعية غير معلومة خارج أوكسفورد: “لا يمكنك حقاً القضاء عليه باستخدام المواد الكيميائية. يمكن أن يكون لعملك تأثير، ولكن لا يمكن القضاء على أسراب البعوض بأكملها في مدينة ما”.

وتركز الجهود الأخرى الرامية لتعديل البعوض وراثياً، والتي لم تصل بعد إلى مرحلة التجارب الميدانية في العراء، على إيقاف قدرته على حمل الفيروس. ويقول باري أن العيب في هذا النهج هو النتيجة المحتملة التي لا رجعة فيها المتمثلة في أن يمنح الجين الجديد للبعوض ميزة ما يمكن أن تنتشر بين كافة الأسراب. وحيث أن بعوض أوكسيتك يدمر نفسه بعد جيل واحد، فإن أي عواقب سلبية ستختفي قريباً.

كما يخضع انتشاره بين السكان المحليين لسيطرة مُحكمة. وبالإضافة إلى الجين الذي يتسبب في موت نسل بعوض أوكسيتك قبل بلوغ سن النضج، يوجد جين آخر يعطي اليرقات علامة فلوريسنتية (يمكن رؤيتها تحت فلتر). وباستخدام فخاخ البيض البسيطة، يمكن لفرق الرصد تتبع انتشار البعوض ومعدل إحلاله محل السلالات البرية.

ولم تجد منظمة الصحة العالمية أي مخاطر كبيرة ترتبط ببعوض أوكسيتك، وأوصت بإجراء دراسات وبائية لإثبات ارتباطه بانخفاض عدد حالات الإصابة بأمراض مثل حمى الضنك وزيكا.

وقال باري أن مثل هذه الدراسات تحتاج إلى نطاق جغرافي واسع حتى تأخذ بعين الاعتبار الأفراد الذين أصيبوا بالفيروس بعيداً عن المكان الذي تم إطلاق البعوض المعدل وراثياً به.

“البعوض لا يسافر بعيداً، ولكن الناس يفعلون ذلك،” كما أشار، مضيفاً أن منظمة الصحة العالمية بحاجة إلى توضيح أن هذه التكنولوجيا آمنة وجاهزة للاستخدام، حتى من دون نتائج مثل هذه الدراسات.

وقال تريفياتو في بيراسيكابا أن السلطات في المدن البرازيلية الأخرى قد عبرت بالفعل عن اهتمامها بتجربة النهج الجديد، وأنه يمكن إقامة مختبرات مثل المصانع في غضون أشهر قليلة لبدء انتاج الملايين من البعوض اللازم لإعادة تشكيل الأسراب في منطقة ما.

وفي السياق نفسه، يجري حالياً إنتاج بيض البعوض الذي يمكن استخدامه لبدء هذه العملية في المختبر الكائن في مقر شركة أوكسيتك بمدينة أوكسفورد. وقال باري أن الظروف المعيشية داخل صفوف الحاويات التي يتكاثر فيها البعوض ويتغذى على دماء الخيل ويضع البيض “تشبه فندقاً من فئة الخمس نجوم للبعوض”.

ويتم حصاد البيض وإرساله في حاويات صغيرة – تضم كل منها ملايين البيض – إلى البرازيل وغيرها من المواقع التي تُجري بها أوكسيتك تجاربها. ويتم وضع بعضها في صواني من الماء في مختبر أوكسفورد لكي يفقس يرقات تتلوى بحيث يمكن ولادة الإناث لإنتاج أجيال من البيض في المستقبل. وفي البرازيل، يتم التخلص من شرانق الإناث وإطلاق الذكور غير القادرة على العض للتزاوج مع الإناث البرية.

وفي هذا الشأن، قال تريفياتو: “اذا استطعنا توسيع نطاق العمل بقدر ما نرغب، يمكن أن يكون هذا هو الحل، ليس فقط للقضاء على زيكا، ولكن للقضاء على أكثر من 100 مرض آخر يحمله هذا البعوض كذلك”.

مع ذلك، فإن فكرة نشر البعوض المعدل وراثياً لا تخلو من الخصوم، ولا فكرة البعوض المعدل وراثياً بشكل عام. فعلى سبيل المثال، وقّع أكثر من 150,000 شخص على التماس يعارض إجراء تجربة أوكسيتك الصغيرة في ولاية فلوريدا في الصيف الماضي، التي لا تزال تنتظر موافقة الحكومة الفيدرالية الأمريكية. ولكن ذلك كان قبل ظهور زيكا، وقد يغير البعض رأيهم الآن.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: