اخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات » كهرباء كربلاء … تأريخ يتكلم
كهرباء كربلاء ... تأريخ يتكلم

كهرباء كربلاء … تأريخ يتكلم

كهرباء كربلاء … تأريخ يتكلم

شبكة عراق الخير : سامر حسن

في العام 1991 وعندما قصفت قوات التحالف البنى التحتية العراقية، ومنها محطات توليد الكهرباء، احتاج النظام السابق الى عدة اشهر كي يعيد بناء هذه المحطات وتعود الكهرباء الى العمل، ولكن ليس كما كانت في السابق. بل بشكل متقطع ادى الى اعلان بداية القطع المبرمج شديد الوقع، منذ ذلك الحين والى يومنا هذا.
ما اختصت به محافظتنا كربلاء هو انها كانت مظلومة في التجهيز … واغلب المتابعين من المواطنين وغيرهم يعلم؛ ان في قلب القيادة حقد دفين وغل عميق على كربلاء واهلها، حيث قاتل اهل المدينة جيش النظام ببسالة ودمر معداته وفتكت بارواح مقاتليه وخيرة ضباط جيشه، في الانتفاضة الشعبانية. حتى دفع رئيس النظام بصهره (حسين كامل) كي يرتكب مجازره البشعة ويحاصر المواطنين وعوائلهم ويقضي على المقاومة المحاصرة، بسبب تخلف معارضة الخارج في ايران. حين نكثت وعودها وهربت قبل ان تدخل العراق، لتعيش المدينة كارثة انسانية فريدة من نوعها استمرت طوال سنوات عدة خسرت في حينها المحافظة خيرة شبابها واهلها حتى ظلت بلا شباب لسنوات عديدة عدا الشيوخ والنساء والاطفال المفجوعين بشبابهم.
ما لفت انتباهي ذلك الحين وما يتداوله الاخوة من كربلاء هذه الايام وقبلها، والكثيرين من سكنة المحافظات الذين دأبوا واعتادوا على الزيارات الاسبوعية، هو ان النظام السابق ذاك، اخذ يزود المحافظة بالتيار الكهربائي في هذين اليومين من الاسبوع ( الخميس والجمعة ) بشكل كامل غير خاضع للقطع المبرمج ابداً، حتى جعل هذا التصرف من المواطن ان يثار تعجبه واستغرابه، ويبقى يتساءل عن السبب حتى هذه الايام. كون النقيضان لا يجتمعان في عالم المنطق فكيف اجتمعا!
سقط النظام السابق، وتأمل الناس الخير بزمرة الاحزاب؛ التي اخذت تتسابق على فعل الخير وانصاف المواطن العراقي، الذي عانى الامرين وقاسى اشد انواع القسوة. واصبحت هذه الاحزاب تضع قوائم طويلة عريضة، كبرامج لعملها الدؤوب المعلن، في خدمة المواطن. وهنا انطوت اللعبة على الناس مرة اخرى كما انطوت سابقا. حين تُرك المنتفضين بلا دعم ولا سلاح ولا عتاد، حتى فتكت بهم قوات النظام البائد.
تعهدت الحكومات المتعاقبة بتوفير التيار الكهربائي وجعلته -خطاباً- من اولوياتها فتدهورت الطاقة واصبحت الناس تعاني اكثر واكثر، ومنهم سكنة محافظتنا كربلاء، حيث مرت سنوات عجاف عاشت الناس في هذه المحافظة حر صيفها تئن انين النياق وتتلظى تحت نار الشمس بلا سامع ولا مغيث حيث لا ناصر لهم في ذلك الحين الا الله.
تعددت الاسباب وتنوعت الاعذار وتكالبت الحكومات ووزراؤها وارتفعت الرواتب والعطايا والمخصصات امام نقص متزايد في ساعات تجهيز الكهرباء، حتى ان اغلب محافظات العراق، اخذت تطالب وتطالب بحصتها فتستجيب الحكومات تارة، وترفض تارة اخرى، عدا كربلاء التي كانت تراقب وتراقب وكأنها في حال تحسد عليه، فلا داعي لان تدخل على خط المطالبات لتحل ازمتها المستديمة التي قل نظيرها في العالم..!
صعدت الوجوه كي تتشرف بمناصب مدينتي، ونزلت غيرها، وما رأينا غير الوعود والعهود والتسويفات. غير ان التحسن يحصل في حال المسؤول لا المواطن، وهذا كله امام مرأى ومسمع المواطن نفسه حيث لايزال وحتى هذه اللحظة يمثل الدرع الحصين لهؤلاء المسؤولين، بل ويفديهم بدمائه ولسان حاله يقول: لا تقربوا المسؤول فهو معصوم ونحن في رفاهية نعيش افضل من غيرنا… وقد ذكرني هذه الموقف باغنية لمطرب عراقي شهير وهو ( قاسم السلطان ) حيث يقول فيها: (لا ولا يهمك يبو عداي…مادام عدنا الهوى الهوى والماي). اي انك يا قائد الامة في عصمة من امرك فافعل ما تشاء وستجدنا من الصابرين الشاكرين!!!
اود هنا ان اعطي بعض الاضاءة على موقف المؤسسة الدينية التي استغلت هذه الظروف لصالحها، حتى وقفت على التل، فمثلت المقولة التي اطلقها عمرو بن العاص لع خير تمثيل، والتي تقول ( الصلاة خلف علي اتم والاكل مع معاوية ادسم والوقوف على التل اسلم ). حيث علا نجمها وانتعشت اشد الانتعاش ماديا واجتماعيا ونفذا وسياسيا ايضا فبامكانها وعن طريق اجراء اتصال هاتفي تغيير وزير بحاله، فما الذي دعاها الى ان تبطئ عن حل ازمة الكهرباء وتوجيه الخطاب الشديد بهذا الاتجاه وهي ترى اكثر مما نرى، لا اعرف ؟!
لقد وصل بنا الحال الى ان نرى فجوة عظيمة، لا يُرى لها قاع بين الدين والانسان وبين الله والبشر لا يسهل ردمها، فقد وسّعها المتدينون ورسموها باناملهم الدمرشتية التي اعتادت جباية اموال الامة لاجل اعياء الامة، حتى ان نسبة الانتقاد لهذه المؤسسة وصلت ذروتها في هذه الايام بعد ان كان الانتقاد قبل عدة اعوام غائب تماما عن الواجهة بل بعداد الحرام.
يقول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد ( يكثر الجهل في المجتمعات التي يكثر فيها رجال الدين ). اضافة الى نسبة الالحاد التي اخذت رقعتها تتسع بلا علاج من هذه المؤسسة سوى الانتقاد اللاذع والتبشير بالنار وليس عن طريق اتباع المقولة الشهيرة التي لو تم تطبيقها لحصل العكس تماما: ( لا تحدثني عن الدين كثيراً، ولكن دعني ارى الدين في سلوكك واخلاقك ). رجوعاً الى ملف الكهرباء، وباختصار شديد؛ رأيت ان المقصرين كثيرون ومن ضمن هؤلاء نحن المستهلكون، الذين احجمنا عن المطالبة بحقوقنا بل ابسط حقوقنا، وها هو السارق يقف ازاءنا مباشرة، ملوحاً لنا بالعصى، ونحن عاجزون تماماً كأن السم او الهروين يسري في دمائنا ويمنعنا عن النهوض والحراك..!
كربلاء اذن، كانت وماتزال تعاني الظلم بل زاد ظلمها كلما زاد تمثيلها ممن يسمون انفسهم مسلمون او شيعة او ابناؤها، فاهل كربلاء الحقيقيون هم من يكترثون لها ويخدمونها ويمنعون عنا الاذى والضيم والظلم، وليس من عاش فيها او نزح اليها او حتى ولد فيها.
خلاصة الخلاصة؛ اود ان اشير الى ان الخلل يكمن فينا نحن الشعوب التي خرجت من حفرة لتسقط نفسها باخرى، اكبر واعمق واكثر ظلمةً منها، حيث انطلت علينا الشعارات والاقاويل وسمعنا واطعنا بلا وعي او ادراك او روية، فاقعدتنا انتماءاتنا قعود الروابض واعيانا التشكّي واليأس، واستخففنا بقدرتنا على التغيير، مع ان بصيص الامل يلوح امامنا، وقوتنا اذا ما استخدمناها؛ قضت على العدو الاكبر بلا شك … فهل نحن فاعلون ؟!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: