اخبار عاجلة
الرئيسية » تحقيقات وتقارير » الجيش العراقي 100 عام من التحولات العاصفة

الجيش العراقي 100 عام من التحولات العاصفة

شبكة عراق الخير : وكالات

على الرغم من ان العراق عُرف تاريخيا بأن أرضه حضنت بعض أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية، وتشكلت فيها الجيوش الاولى مئات السنين قبل الميلاد، الا ان الذكرى المئوية الاولى لتأسيس الجيش العراقي في العصر الحديث، تشكل مناسبة لرصد نشأته والتحولات العاصفة التي ضربته، منذ الفوج الأول الذي حمل اسم “الامام موسى الكاظم” قبل 100 سنة، وصولا الى المرحلة الحالية التي يحتل فيها المرتبة ال50 على مستوى العالم.

ولعب الجيش العراقي أدواراً كبيرة في الأحداث الداخلية منذ تأسيسه في عهد الملك فيصل الأول، سواء في الحرب التي خاضها في العام 1941 ضد القوات البريطانية التي كانت تسيطر على العراق، أي في مرحلة الحرب العالمية الثانية، وساهمت بنفسها في تأسيس الجيش، او في الانقلابات العسكرية التي اطاحت بأنظمة وحكومات متتالية، بما في ذلك أول إنقلاب عسكري في العالم العربي، وصولا الى الحرب القاسية التي خاضها ضد أخطر تنظيم ارهابي عرفته البشرية والمتمثل بتنظيم داعش.

وبحسب موقع “غلوبال فاير باور” المتخصص برصد القدرات العسكرية للدول، فان العراق يحتل وفق لائحة العام 2020 التي تضم 138 دولة، المرتبة الخمسين عالميا، بحسب قوته العسكرية.

وللمقارنة مع الدول المجاورة، فان ايران مثلا تحتل المرتبة 14 عالميا، وتركيا 11، وسوريا 55 ، والأردن 72، والكويت 85، والسعودية 17.

لكن ذلك يتعارض كثيرا مع مرحلة ما بعد نهاية الحرب التي خاضها صدام حسين ضد ايران التي انتهت في العام 1988، والتي صنف العراق وقتها بانها يمتلك رابع أكبر جيش في العالم، بعدما وصل عديد جنوده الى مليون فرد.

 

ويقول الخبراء انه في الفترة ما بين أواخر السبعينيات ومنتصف الثمانينيات من القرن العشرين، خضع الجيش العراقي لتغييرات عميقة وواسعة في حجمه وهيكليته وأسلحته وانتشاره.

فما بين العام 1980 وصيف العام 1990 (قبيل غزو الكويت)، رفع صدام حسين حجم القوات من 180 ألف جندي الى 900 ألف جندي، مع قدرة على التعبئة ليصل العدد الى مليوني جندي، ما شكل وقتها ما نسبته 75% من العناصر البشرية العراقية في عمر ما بين 18 و34. اما عدد الدبابات فقد ازداد من 2700 دبابة الى 5700 دبابة، والقطع المدفعية من 2300، الى 3700.

وقد كان التحول هائلا، وبحسب موقع “فيدرالية العلماء الاميركيين”، فانه بسبب الحرب العراقية- الايرانية، وسع العراق من جهوده من اعادة التسلح بشكل كبير، وبعدما دخلت الحرب عامها الثامن في ايلول/سبتمبر 1987، اصبح العراق اكبر سوق لشراء السلاح في العالم. وبالاضافة الى المشتريات من الاتحاد السوفياتي وفرنسا، فانه سعى لشراء اسلحة من الصين والمانيا وإيطاليا والبرازيل وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ومصر وغيرها من الدول.

وبحسب تقديرات “الوكالة الاميركية لمراقبة ونزع السلاح” في العام 1987، فان العراق اشترى لجيشه اسلحة ب 24 مليار دولار في الفترة بين 1981 الى 1985 فقط.

لكن كل موارد القوة تلك، أصبحت بلا جدوى تقريبا بعدما دخل صدام حسين في “مغامرة” عسكرية عبثية بغزو الكويت في ذلك اليوم الأسود من آب/أغسطس من العام 1990، أدت لاحقا الى تدمير جزء كبير من قوات جيش العراق وابنائه.

وتشير التقديرات العسكرية الأميركية إلى ان نحو نصف مما كان يملكه العراق من دبابات وعربات مدرعة جرى تدميره في ما عرف باسم “عاصفة الصحراء” التي اخرجت القوات العراقية من الكويت، بل وتوغلت في اكثر من منطقة عراقية حدودية.

وبعدها لم يعد الجيش العراقي الرابع عالميا مثلما كان يصنف وقتها. وساهمت العقوبات الدولية التي فرضت على العراق في الحاق اذى كبير بالقوات المسلحة العراقية، خاصة بعدما فرضت الامم المتحدة، بدعم أميركي- بريطاني، قيام فرق التفتيش الدولية بتفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية التي كان يمتلكها الجيش.

ووقع الجيش العراقي، المنهك من العقوبات الدولية، تحت وطأة العاصفة الأكثر قساوة لاحقا، وتحديدا في العام 2003، عندما قادت الولايات المتحدة وبريطانيا اجتياحا بريا وجويا وبحريا، انتهى بالسيطرة على بغداد ومختلف مناطق العراق، وسقوط نظام صدام حسين.

لكن في ما يتعلق بالجيش تحديدا، فبالاضافة الى الخسائر الجسيمة التي أنزلت به من جانب القوات المهاجمة، جاء المنعطف الكبير في مسيرة الجيش العراقي، بالقرار الذي اتخذه الحاكم المدني بول بريمر بحل القوات المسلحة وكل الاجهزة الامنية، ليعاد من بعدها تشكيل الجيش وتدريبه وتسليحه وفق معايير ومبادئ جديدة.

ويحمل التاريخ مفارقة لافتة في مسيرة الجيش العراقي، حيث ان الجيش الذي حله بريمر، لم يكن يقارن بالجيش الذي أسسه مفوض الانتداب البريطاني بيرسي كوكس، بعد اندلاع ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني.

وكان أول وزير دفاع هو جعفر عبدالرحمن جعفر العسكري النعيمي. اما أول قوة في الجيش فكانت “فوج الامام موسى الكاظم” وقد ضم العديد من الضباط والجنود الذين كانوا يقاتلون في صفوف “الثورة العربية الكبرى” او كانوا ضمن الجيش العثماني وانشقوا عنه.

وقد شجع البريطانيون على تشكيل الجيش العراقي الجديد بعدما تسببت ثورة العشرين بخسائر كبيرة للقوات البريطانية، وكانت لندن ترغب في تخفيض كلفة وجودها العسكري في المنطقة، وكان انشاء الجيش الوطني خطوة اولى لتناط اليه مسؤوليات عسكرية بدلا عن البريطانيين.

ومن غرائب تلك المرحلة ان الملك فيصل كان يريد ان يسمى الفوج الاول باسم “المس بيل”، نسبة الى البريطانية غيرترود بيل التي كانت من مساعدي بيرسي كوكس، وعاشت سنوات عديدة في العراق وساهمت في ترتيب شؤونه في ما بعد الحرب العالمية الاولى، لكن جعفر العسكري تمسك بتسمية “فوج الامام موسى الكاظم”، وذلك في السادس من كانون الثاني/يناير 1921.

لكن تسجيل المتطوعين في الفوج الاول، لم يبدأ سوى في يونيو/حزيران 1921. ثم تشكلت الافواج الاخرى في الشهور التالية، لتحل اساسا مكان القوات البريطانية المنسحبة في اطار خطة تخفيض القوات. وساهمت بريطانيا بشكل كبير في تسليح وتدريب الجيش العراقي في السنوات التالية، وفق اتفاقيات ومعاهدات نظمت العلاقات بين بغداد ولندن.

 

لكن تطورا كبيرا في مسيرة الجيش العراقي تم خلال مرحلة “ثورة تموز” العام 1958، خاصة في اطار اتفاقيات تعاون مع دول المنظومة الاشتراكية، وهي مسيرة استمرت وصولا الى عهد صدام حسين، ثم تحول المشهد العسكري تماما، ليصبح الاميركيون هذه المرة الاوصياء على القوات المسلحة في مرحلة حكم بول بريمر، ثم في مرحلة ما بعد الاتفاق الاميركي-العراقي للعام 2008 التي نظمت العلاقة العسكرية بين الطرفين.

اما بالنسبة الى ابرز المعارك التي شارك فيها الجيش العراقي الجديد، فكانت اولها حرب مايس ضد القوات البريطانية في العام 1941 بسبب دخول قوات بريطانية الى العراق من دون اذن حكومته، في اطار تحرك اعتبرته لندن وقتها في سياق مواجهات الحرب العالمية الثانية، وهي معركة انتهت بكل الاحوال بدخول البريطانيين الى بغداد.

ثم كانت معارك ما عرف بحرب فلسطين العام 1948 عندما تحركت جيوش عربية لمنع سيطرة ما سمي وقتها بالعصابات الصهيونية على فلسطين، وشارك فيها العراق بقوات ضمت الاف الجنود وعشرات الدبابات وقطع المدفعية، وانتهت كما هو معروف بهزيمة الجيوش العربية واحتلال أجزاء كبيرة من فلسطين وإعلان قيام اسرائيل.

ولم يكن هذا الحضور العراقي الوحيد عسكريا في القضايا العربية. ففي “حرب أكتوبر” العام 1973، شارك الجيش العراقي بقوات كبيرة ايضا في مساندة الهجوم المصري – السوري على الجبهات مع اسرائيل، وذلك عبر عشرات الاف الجنود ومئات الدبابات والمدرعات وقطع المدفعية بالاضافة الى الطائرات الحربية.

 

وهناك طبعا، الحرب التي خاضها صدام حسين مع ايران من العام 1980 حتى العام 1988. ثم هناك غزو صدام ايضا للكويت العام 1990، ثم ما عرف بحرب الخليج الثانية التي قادت الى تحرير الكويت من القوات العراقية في شباط/فبراير 1991، والحاق خسائر جسيمة بالقوات العراقية. ثم هناك الحرب التي قصمت ظهر الجيش العراقي في العام 2003.

اما على الصعيد الداخلي، فقد تم زج الجيش العراقي في حروب داخلية كما في المعارك التي خاضها باسم “ثورة ايلول” التي قادها الملا مصطفى بارزاني في سنوات ما بين 1961 و1970 لقمع انتفاضة الكورد والتي انتهت بنيلهم حق ممارسة الحكم الذاتي. ثم كانت ما عرف باسم الحرب العراقية – الكوردية الثانية خلال عامي 1974 و1975، وتمثلت بهجوم الجيش على مناطق انتشار قوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة الملا بارزاني، والتي قادت الى ابرام كل من العراق وشاه ايران ما عرف باسم “اتفاقية الجزائر”.

كما تم استخدام الجيش لقمع الانتفاضة الكوردية التي اندلعت في كوردستان والشيعية في الجنوب في العام 1991 بعد هزيمة صدام حسين في “مغامرته” العسكرية المتهورة باحتلال الكويت.

وعلى الصعيد الداخلي ايضا، للجيش العراقي أدوار أخرى. فعلى سبيل المثال، قاد الفريق بكر صدقي اول انقلاب عسكري في العراق والمنطقة العربية، باسقاطه حكومة ياسين الهاشمي في العام 1936 واغتيال أول وزير دفاع جعفر العسكري، وضغط على الملك غازي من اجل تشكيل حكومة جديدة، عين فيها بكر صدقي رئيسا لاركان الجيش.

 

كما شارك الجيش في انقلاب العام 1941 الذي ادى الى طرد الملك فيصل الثاني مؤقتا من بغداد قبل عودته بارادة القوات البريطانية. ونفذ الجيش ايضا “انقلاب 14 تموز” 1958 الذي قاده العقيد عبدالكريم قاسم واطاح بالنظام الملكي وقتل رئيس الوزراء نوري السعيد، واعلن قيام النظام الجمهوري. وبعدها بخمسة أعوام فقط، وتحديدا في العام 1963، نفذت فرق من الجيش انقلابا على عبدالكريم قاسم، وقتلته.

لكن الجيش العراقي الذي خاض المعارك الاقليمية والحروب الكبرى، وساهم في الانقلابات واعادة صياغة الانظمة السياسية العراقية على مر العقود، تعرض لانتكاسة كبرى لم يكن يتوقعها أحد في العام 2014، عندما اجتاحت عصابات تنظيم داعش الإرهابي مواقعه في الموصل وتكريت والانبار ومناطق غرب العراق عموما، برغم وجود قواعد عسكرية كبيرة يفترض انها تضم عشرات الاف الجنود والاسلحة المتطورة التي يقتنيها وغالبيتها من ضمن اتفاقات التعاون مع الولايات المتحدة. وقد اظهرت التحقيقات لاحقا ان نظام الفساد المستشري في المؤسسة العسكرية، ووجود ظاهرة الجنود الاشباح الذين يتفلتون من مراكز خدماتهم العسكرية بتواطؤ مع الضباط الفاسدين، ساهمت، من بين عوامل أخرى عديدة، في هذه الكارثة.

وجاءت هذه الهزيمة بعد نحو ثلاث سنوات على انسحاب القوات القتالية الاميركية من العراق تنفيذا لاتفاق العام 2008، ما أجبر حكومة بغداد على اعادة الطلب من واشنطن مساندتها في الحرب على الارهاب.

لكن الموقف الذي يتفق عليه العديد من المراقبين بانه ساهم في انقاذ الجيش العراقي من الانهيار الكامل، جاء بعد دعوة “الجهاد” التي نادى بها المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني لحمل السلاح والالتحاق بالقوات المسلحة من اجل منع سقوط المزيد من المناطق في ايدي الارهابيين، وهي دعوة مهدت فعليا الى قيام تشكيلات “الحشد الشعبي” لاحقا، والتي ادرجت في العام 2016 ضمن القوات المسلحة العراقية النظامية، وما زالت حتى الان.