اخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات » الشيخ يوسف كركوش مؤرخ الحلة الأول ومشروع اعادة كتابة تأريخ الحلة

الشيخ يوسف كركوش مؤرخ الحلة الأول ومشروع اعادة كتابة تأريخ الحلة

شبكة عراق الخير : بقلم د. عبد الرضا عوض

انصب الاهتمام على دراسة الشخصيات السياسية والعسكرية في البحث الاكاديمي ولم تحظَّ

الشخصيات الفكرية والثقافية باهتمام يذكر إلا ما ندر , بالرغم من ان أدوارها وتأثيراتها في مجال

اختصاصها كبير جداً وقد يفوق تأثيرها الكثير عن بقية شخصيات المجتمع في مجريات أحداث

المدن وتاريخها.

ويزداد هذا النقص وضوحاً , إذا عرفنا ان بعضاً من الشخصيات الفكرية والثقافية , وخصوصاً الجيل

الأول من المؤرخين العراقيين المعاصرين , قدمت خدمات جليلة لدراسة جوانب أساسية من تأريخ

العراق المعاصر , من خلال تدوين احداث تاريخية وتطوراتها وتقديم مادة للباحث محفوظة بمؤلفات

مهمة , يُتخذ منها منطلقاً صحيحاً لدراسة علمية في ميدان اختصاصهم , ويقف في مقدمة أولئك

المؤرخين العراقيين المحامي عباس العزاوي صاحب كتاب (العراق بين احتلالين) ، وعلى مستوى

محافظة بابل الشيخ يوسف كركوش الحلي – وهو مجال بحثنا هذا- الذي كرس جهوده بشكل

رئيس على توثيق تاريخ مدينة الحلة , فمنذ العام 1927م عندما حضر مؤرخ العراق الكبير الحلة

في تلك السنة وأصدر جريدة (الفيحاء) التي جعلت الشيخ كركوش يهتم بتاريخ مدينته فراح يصدر

على صفحاتها شيئاً عن علماء الحلة ثم استأنف نشاطه ونشر على صفحات مجلة (الحكمة)

لصاحبها المحامي رؤوف جبوري حلقات عن تاريخ الحلة ، وأصدر في عام 1939 (موجز تاريخ

الحلة) الذي طبع في مطابع صيدا ولاقى اهتماما كبيراً من قبل أرباب الأدب والتراث فزاد اهتمامه

لإخراج منجز ليكون الرائد بين المدونات إلاّ وهو (تاريخ الحلة), فقد سعى باجتهاد ذاتي على تدوين

تأريخ مدينة الحلة منذ تمصيرها سنة 495هـ/ 1101م على يد الأمير صدقة بن منصور الأسدي

حتى نهاية الحكم الملكي للعراق سنة 1958م وهذا يُعد انجاز مهم من مراحل تأريخ العراق

المعاصر , بعض منها عاصرها الشيخ كركوش , وتابع أحداثها فأثمرت جهوده عن ايقونته الرائدة

(تاريخ الحلة) خلدت اسمه ما بقي الدهر.

لعل أول مرة جلب انتباهي صدفةً حينما سمعت من اصدقاء لي باسم الشيخ يوسف كركوش ،

حينما كنت طالبا في الصف الثاني المتوسط عام 1965 وهو عام صدور كتابه الرائد (تاريخ الحلة)

أي قبل ما يقارب من 60 سنة .وكان الكتاب قد صدر تواً ويقع في جزئين وطبع في المطبعة

الحيدرية بالنجف الأشرف وعُدَّ من المصادر التاريخية المعتمدة .والشيخ يوسف كركوش في تاريخ

الحلة – شأنه شأن كل من كتب عن تاريخ مدينته ، محبا لمدينته بل عاشقا لها لهذا فقد تحدث عن

الحلة ورجالاتها بصدقٍ وحيادية واضحة، ووقف عند دورها السياسي الوطني والثقافي

كنت أرهُ دوما في مقهى راضي كرين او مقهى الملا حمود الكيم، دون أن اكلمه فهو رجل معتد

بنفسه ذو هيبة ووقار ، وأرى الناس وهم يومأون اليه في ذهابه وإيابه الى داره الواقعة في

محلة الجامعين حارة (العنيبية) ، بقولهم: “هذا الشيخ المعلم الذي كتب تأريخ الحلة”

تكمن أهمية كتاب تاريخ الحلة في كون كاتبها شاهد بعض أحداث العهد الملكي كاملة بكل

تفاصيلها , ولكون هذا الكتاب قد ضم في ثناياه معلومات ووثائق كثيرة ومهمة عن تفاصيل تلك

الاحداث من جهة أخرى , مما منحها دقة في عرض المعلومات , جذبت الكثيرين ممن رجعوا إليها

لتوثيق بحوثهم ودراساتهم , وما احتوته من معلومات مهمة , ومن المؤكد فقد عاني كثيراً في

كيفية الحصول على تلك المعلومات , والعوامل والظروف التي ساعدت على تدوينها , والدوافع

الكامنة وراء كل ذلك , تثير تساؤلات تبقى معلقة ما لم يسلط الضوء على سيرة الشيخ كركوش

نفسه , وعلى منهجه في التدوين التاريخي , اللذين لم يحظياً بالدراسة الوافية , بل لم يخضعا

للبحث او الدراسة العلمية الدقيقة .

نرى ان من الضرورة العلمية ان ندعو الى البحث في موضوع يتناول الشيخ يوسف كركوش

ومنهجه التاريخي , كحلقة مهمة من حلقات الدراسات التأريخية المعاصرة تستكمل بعض النقص

الذي اشرنا إليه , تدعمها ضرورة الحاحنا على الجهات الاكاديمية للاستفادة من المنهج التأريخي

الذي اتبعه كركوش في كتاباته المتنوعة

كتب الشيخ كركوش مؤلفاته كما هو واضح بلغة بسيطة وغير معقدة, وبعيدة عن التكلف فتجنب

استخدام المصطلحات والرموز والتراكيب اللغوية غير المألوفة , وتوخى الدقة في التعبير

والوضوح, فيمكن ادخال اسلوبه في سياق السهل الممتنع, وقد استشهد الشيخ كركوش في

كتاباته ببعض الابيات الشعرية لتوضيح مبتغاه عما كتب حول الاحداث والوقائع والمواقف التي

تناولها لتقريب صورتها الى ذهن القارئ بأسلوب يدل على أن صاحبه مسيطر على ناحيتي اللغة

والادب معاً.

اتبع الشيخ كركوش منهجه التاريخي من طبيعة خبرته الطويلة في ميدان التدوين والتأليف,

فهو لم يخضع كتاباته لأي مدرسة فلسفية في التاريخ, عدا تجربته الذاتية التي التصق بها

ولازمها بعدما رأى في التاريخ- ومنذ وقت مبكر من حياته- “مادة دسمة” تستحق الاهتمام,

فهو لم يتبع احد في منهجه , ولم يكن أسير ضغوط معرفية في التدوين التاريخي بحكم تكونه

الثقافي, ومصادره المعرفية, ولذلك اكسبت تلك التجربة كتابته واقعيتها, وعززت من قيمتها

العلمية على الرغم من بساطتها , وعدم مراعاتها في الغالب للضوابط المنهجية المعروفة لدى

الباحثين الجامعيين.

وقد يرى البعض من المختصين, تشابها بين منهج كركوش ومنهج وداي العطية الا أن دراسة

وتحليل منهج العطية يظهر لنا أن هناك اختلافاً واضحاً بينهما, ذلك أن كركوش كرس جهده لتدوين

تاريخ مدينته , في حين أن العطية مال الى الشأن العشائري بوضوح ,كما انه راقب وتابع ودون

تفاصيل حركة مجتمعه ومؤسساته السياسية والثقافية… واستطاع أن يدون تاريخاً لمعظم بيوتات

الحلة, وينقل ارثها من ميثولوجيا شفاهية الى تاريخ مدون محقق وموثق”, ويرى البعض الاخر

منهم, في كتاباته التي لم تقتصر على مؤسسات الدولة الرسمية خير شاهد على ذلك, ومما

يؤكد خصوصية منهج كركوش في الكتابة التاريخية طبيعة الثغرات التي بوسع المتتبع أن

يرصدها في مؤلفاته

لا شك ان المصادر أوعية المعلومات التي يعتمد عليها الباحث في اغناء مادة بحثه , وبالتالي

تحقيق غايته العلمية من البحث , واستخدام المصادر من مقومات البحث العلمي , ومن أدلة

الامانة العلمية والشواهد عليها , ومن اجل التعرف على مصادر الشيخ كركوش التاريخية التي

اعتمد عليها في كتاباته , توجب الضرورة الحديث عن مكانته التاريخية التي ترسخت عبر سنوات

عمره.

تستمد مكانة الشيخ التاريخية أهميتها من كونه شاهد عيان للمدة التي كتب عنها , ومن

المصادر المتنوعة التي استقى معلوماته منها , فبحكم ظروف تكونه الفكري والثقافي

ومعاصرته وركوبه مركب التدوين التاريخي الذي ولع به منذ وقت مبكر من حياته بعد ان

امتلك ناصية الكتابة والبحث والتحري التي قوتها علاقاته الشخصية بالعديد من رجال الفكر

والسياسة الذين عرفهم العراق خلال تلك المدة , والذين تفاعلوا , بصورة أو بأخرى , مع تلك

الاحداث وتطوراتها , كما لاحظنا ذلك فيما تقدم من موضوعات , ولاستقراره في الحلة , مدينة

الادب والسياسة فقد هيأت له مناخ تمثيل الاحداث وتدوينها , كل ذلك مكنه من تبوأ مكانة

تأريخيه مميزة , جعلت منه , هو شخصياً ,مصدراً مهماً من مصادر تاريخ الحلة المعاصر .

ويؤكد مشاهداته وما مرَّ بمدينته في تاريخها المعاصر من احداث وما رافقها من تطورات ,

لم يمنعه من الاستعانة بمصادر تاريخيه أخرى اسهمت في تعميق أهمية آثاره الكتابية تعرف

المصادر بأنها أوعية المعلومات التي يعتمد عليها الباحث في اغناء مادة بحثه , وبالتالي تحقيق

غايته العلمية من البحث , واستخدام المصادر من مقومات البحث العلمي , ومن أدلة الامانة

العلمية والشواهد عليها , ومن اجل التعرف على مصادر الشيخ كركوش التاريخية التي اعتمد

عليها في كتاباته , توجب الضرورة الحديث عن مكانته التاريخية التي ترسخت عبر سنوات عمره.