اخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات » متاهة الحضارة تحير الإنسان الضائع فيها

متاهة الحضارة تحير الإنسان الضائع فيها

شبكة عراق الخير : متاهة الحضارة تحير الإنسان الضائع فيها بقلم / عدنان مذكور

ان من اهم الظواهر الثقافية في الوجود الإنساني هي إقامة العلاقات الاجتماعية على القواعد

الأخلاقية من أجل تأسيس التوازن بين الذات الفردية و الذات الجماعية مِما يَدفع باتجاه استثمار

الخبرات الحياتية في تحليلِ الشعور الإنساني و إنتاج فلسفة عملية تساهم في تحقيق الذات

، و صناعة آلِيات معرفية ديناميكية تتعامل مع الواقع كمفهوم إبداعي ، و تتعامل مع الحقيقة

كإطار مرجعي و هذا يساهم في تفسير السلوك الإنساني ظاهريا و باطنيا ، و الانتقال مِن كِيان

الشخص إلى تَكوين الشخصية باعتبارها القوة الضاربة و الدافعة لتشييد وعي الإنسان بذاته في

عالم يتشظى ، و يفقد كينونته الأخلاقية تدريجيا تحت ضغط الأنماط الاستهلاكية المتوحشة و غرق

العالم في أعماق اللامعنى الموحِشة ناتج عن انطماس الفطرة الأُولى و انكسار البراءة الأصلية ،

فصار التاريخ مشروعا تجاريا ، وصارت الجغرافيا شريعة استغلالية ، و راح الإنسان يبحث عن نفسه

خارج نفسه ، وأخذت الحضارة تبني شرعيتها على أنقاض الحضارات الأُخرى ، بسبب القناعة

المغلوطة بأن إثبات الحاضر لا يكون إلا بِنفي الماضي . وهذه الأوهام في بنية التفكير تحولت إلى

قوة محركة لفلسفة نهاية التاريخ، و الإنسان لا يستطيع أن يَحكم على التاريخ بالانتهاء لأن التاريخ

بدأ قبل الإنسان، ولن يكون الإنسان موجودا عندما ينتهي التاريخ . والإنسان ضعف على التاريخ ،

وليس العكس . والضيف لا يتحكم بصاحب البيت .

ان مسار العلاقات الاجتماعية الأخلاقية يتكوَّن مِن الوُجودِ ( القاعدة الجَوهرية الحاملة لشرعية

الذات الإنسانية وسلطة المعرفة ) ، و الشعورِ ( التصور الداخلي الذي يَستخدم المعنى الرمزي

لصياغة تفاصيل الحياة اليومية)، والسُّلوكِ ( الوعاء الحاضن للفاعلية المعنوية والدافعية المادية

والشُّروط الحياتية والوظيفة الغائيَّة ) . ومُهمةُ الأنساق الفكرية في المجتمع هي منع التشظي

في هذا المسار و الحفاظُ على وحدة عناصره المُتجانسة و بناءُ تجارب معرفية واعية تُحلِّل

التأثيرات التي تتركها الظواهرُ الثقافية على دوافع الأفراد الداخلية ، وضمانُ التراتبيَّة في القِيَم

الخيالية و المعايير الواقعية ، من أجل تحقيق المنفعة الخاصَّة والمصلحة العامَّة . وهذه المُهمة

الوجودية تُنتج خِطَابَها التفسيري الخاص بها ، والقادر على كشفِ منطق التاريخ الحقيقي لا

المُتَخَيَّل ، وبيانِ دَور العناصر الفاعلة والمُؤثِّرة في مَجرى أحداثه . وإذا تَكَرَّسَ التاريخُ في علامات

الماضي وإشارات الحاضر ورموز المُستقبل ، فإن الثقافة ستملك القُدرةَ على تحديد إفرازات ذاكرة

المجتمع في وجودِ الإنسان ، وحَيويةِ المعنى الإبداعي ، ومركزيةِ الدَّلالة المعرفية ، مِمَّا يَقُود إلى

تفكيكِ بَصمة المعنى الاجتماعي على جسد اللغة ، وتحليلِ مُكوِّنات الخريطة اللغوية في بُنية

العلاقات الاجتماعية . وهذا يعني وصول المجتمع إلى حالة التوازن بين مركزية المعنى الاجتماعي

ورمزيةِ المعنى اللغوي . وكُل حالة توازن هي بالضَّرورة مرحلة من مراحل السلام الداخلي ،

والتصالح مع الذات .

الإشكاليةُ التي يُعاني مِنها الإنسانُ الضائع في مَتَاهة الحضارة ، هي عدم تفريقه بين الدَّال

( صورة الوجود التي تدل عليه ) والمَدلولِ ( التَّصَوُّر الذهني للوجود المَعْنِيِّ ) ، فالإنسان _ أثناء

لُهاثه اليومي في الحياة _ يَنسى أن يَعيش ، فتُصبح حياته ضِدَّ معنى الحياة ، وتَصير ذِكرياته

انقلابًا على ذاكرته . وبسبب تركيز الإنسان على توفير مُتطلباته اليوميَّة، وحِرصه على تَلبية

حاجاته الحياتيَّة ، نَسِيَ ماهيَّةَ الزمان ، ومركزيةَ المكان ، وفلسفةَ الحياة ، ولَم يعد يَشعر بمُكوِّنات

ذاته ، وعناصرِ الطبيعة المُحيطة به. والمفروض أن الإنسان يُسافر مِن بيئته الظاهرية إلى ذاته

الباطنية لاكتشاف أبعادها ومعرفة أسرارها ، لأن الوجود الحقيقي هو سَفَر باتجاه الذات ، وغَوص

في أعماقِ الوَعْي ، وتنقيب في داخل الشُّعور . أمَّا الهُروبُ من الذات إلى العناصر الخارجية

المُحيطة بها ، فهو وُجودٌ زائف يُنتج الاغترابَ ( الانفصال عن الذات والآخرين ) ، وحياةٌ وهمية تُنتج

الاستلاب ( كبت أحلام الفرد وخنق طموحات المجتمع ) .