مقالات

القشلة وساعتها التاريخية

مبنى القشلة أو المدرسة الموفقية من معالم بغداد التاريخية، وحاليا تسمى مبنى القشلة في بغداد، ولقد كتبت دائرة الآثار

على مبنى القشلة عبارة (سراي الحكومة) وهذا خطأ، إذ إن مبنى السراي هو المبنى الذي داخل القبة الجميلة التي تقابل

(جامع جديد حسن باشا) وبقي كذلك إلى انقلاب وثورة 1958م، ولقد شيد مبنى القشلة موفق الخادم، وسماها على

أسمه، وذكرها ابن الساعي في حوادث عام 602 هـ، عند ذكر ترجمة محمد بن الوزير أبي الفتح بن الداريح، أحد وزراء الناصر

لدين الله المتوفي عام 602هـ، وصلى عليه في المدرسة النظامية، ثم دفن بالمدرسة الموفقية، إلى جنب قبر موفق الخادم،

وكان قد أوقف جميع ما لديه من مال وأملاك على هذه المدرسة، وذكرها الامام الذهبي في كتابه مختصر تاريخ ابن

الدبيثي عند ترجمة أحمد بن الحسن بن سلامة بن صاعد المنبجي،  ثم ذكرها ابن الجوزي البغدادي، فقال: (درس بالموفقية

التي بدرب زاخي).

عهد الوالي نامق باشا

ودرب زاخي تقع في شرقي مدينة بغداد، والتي تقع حالياً في شارع المتنبي المؤدي إلى مباني المحاكم المدنية قديماً

والمسماة حالياً بمبنى القشلة، وبينهُ وبين الجانب الغربي جسر يصل بين جانبي بغداد في أواخر أيام الخلافة العباسية.

وفوق رأسه من الجانب الغربي قصر عيسى عم أبو جعفر المنصور وحلة قصر عيسى ومصب نهر عيسى الآتي من

نهر الفرات.

أقرأ أيضا : من هو ايلون ماسك وأهم إنجازاته

ودرب زاخي هي منسوبة إلى الموفق بن عبد الله الخاتوني، نسبة إلى الخاتون الملكشاهية زوج الخليفة المستظهر بالله،

لأنه كان مملوكها وتوفي بالمدرسة، وجاء ذكر هذه المدرسة في كتاب المنتظم لابن الجوزي البغدادي، وكذلك

في كتاب (الجواهر المضية في فقهاء الحنفية) للقرشي،  وكانت هذه المدرسة في مبنى القشلة الحالي الذي يعود

تأسيسه إلى عام 1861م، في عهد الوالي نامق باشا الذي لم يستمر حكمه إلا عاماً وبضعة أشهر، 1861-1863م، وأكمل

بناؤها بعد ذلك الوالي مدحت باشا الذي كان يختلف عن غيره من الولاة، بإعجابه الشديد بما حقّقته دول أوروبا من تقدّم في

مجالات الحياة كافة، مضافاً إلى ما يعتمل في نفسه من حب الإصلاح والأخذ بأسباب التقدّم. وتذكر المصادر والوثائق التاريخية

أن الوالي العثماني مدحت باشا الذي تولّى شؤون بغداد دام حكمه أربع سنوات، ولم يكتف بإكمال بناء القشلة بل أضاف إلى

خريطتها المعمارية طبقة ثانية، اعتمد فيها على أنقاض سور بغداد الشرقية الذي تمّ هدمه واستعمل آجره في تعميد مبنى

السراي ومبنى القشلة، وإضافة طبقة ثانية إليها زيادة على بناء برج عالٍ يحتوي ساعة كبيرة وسط ساحة القشلة. وليست

القشلة في منطقة واحدة في الدولة العثمانية بل تكاد تكون عند كل ولاية من ولايات الدولة العثمانية قشلة خاصة بها، وربما

من هذا المنطلق كانت القشلة التي تقع في الجانب الشرقي من نهر دجلة تسمى قشلة بغداد.

قشلة بغداد

ولفظ القشلة وباللغة التركية القشلاغ يطلق على ثكنة الجند وقت تعسكرهم، وكان اسمها في البداية قشلة البيادة أي ثكنة

الجنود المشاة، ثم تحوّل تدريجاً إلى قشلة الترك ثم إلى قشلة بغداد. وأصل لفظ القشلة من كلمة

في اللغة العثمانية التركية وهي تعني المشتى أي المكان الذي يقي الإنسان من تقلّبات الجوّ، ثم خصّصت لإقامة الجنود

وقت السلم، أي ما معناه الثكنة العسكرية أو المعسكر كما يطلق عليه الآن.

وهذه الثكنة احتضنت في داخلها آنذاك آلاف الجنود والمسؤولين عنهم ومخازنهم ومستودعاتهم، بل إذا ما تمعّنت بها تجدها

دائرة مدنية عسكرية تحت لواء الباشا، كما تشير الوثائق الموجودة في المتحف الوطني العراقي ودائرة الآثار والتراث في وزارة

السياحة والآثار.

وبعدما شيد الوالي العثماني مدحت باشا مبنى القشلة في وسط مبنى المدرسة الموفقية عام 1855م، وبنى البنيان

باستخدام حجر الجدار الشرقي لسور بغداد، وهذا الجدار تم بناؤه قبل عام 1855م، بمئات السنين لحماية مدينة بغداد من

الهجمات الشرقية، وبعد هدم هذا الجدار لانتفاء الحاجة اليه نقلت الحجارة لبناء ساعة القشلة وكانت آلة محرك الساعة هدية

من جورج الخامس ملك بريطانيا إلى الحكومة العراقية ووضعت الساعة ذات الأربعة أوجه فوق برج بني لها يبلغ أرتفاعه 22

متراً وكانت الساعة تدق لأيقاظ الجنود صباحا وإعلامهم بأوقات التدريب العسكري.

مبنى المدرسة عبر التاريخ

صباحٌ جميلٌ ويوم جمعة مبارك ورحلة سياحية تراثية ممتعة قادتنا للتعرف على معالمنا التاريخية الجميلة إلى منطقة القشلة
بدأت رحلتنا لهذا المعلم التاريخي حيث كانت محطتنا الأولى منطقة الميدان من نهاية وزارة الدفاع وبداية شارع الرشيد والذي
سمي بسوق هرج حيث باعة الخردة والعتيق وهم يفترشون الطريق ببضاعتهم العتيقة البالية خارج هذا السوق ليتسوقها
البؤساء والمسحوقين علماً أنها أدوات موتى وخردة خاويةً أكل الدهر عليها وشرب، فقد استوقفني أحد هؤلاء الباعة حيث كان
عارضاً بضاعته في وسط الشارع وهي مواد تأسيس مياه متآكلة ونخرة لا تتعدى العشر قطع، وآخر يعرض ملابس بالية وغيره
يعرض مواد كهربائية تالفة لا تتوافر فيها شروط السلامة والأمان وهكذا.
فقد شد اهتمامي أحد هؤلاء الباعة وهو يفترش الأرض ببضاعته العتيقة وأنا مستغرب لحال هذا الرجل الكادح وأقول في
نفسي هل بإمكان هذا الرجل الكادح أن يعوض كل هذا العناء الذي يلاقيه حتى يبيع هذه القطع التي نخرها الصدأ وتآكلت
اجزائها وهل هناك أيضا من يشتريها،

شارع الرشيد والذي سمي بسوق هرج

القشلة وساعتها التاريخية
القشلة وساعتها التاريخية
لقد ألمني واوجعني كثيراً هذا الحال البئيس لذلك سألت أحد الأشخاص كان هو الآخر واقفاً يبحث عن شيء يحتاجه من هذه
الخردة البالية، فقد همست في اذنه قائلاً: أخي العزيز أود أن أوجه لجنابك الكريم سؤالا إن امكن !! فرد علي قائلاً: على
الرحب والسعة اتفضل أستاذ قل ما عندك فقلت له هل بإمكان هذا الشخص الذي يفترش الأرض أن يستفيد من هذه البضاعة
البائسة وهل هناك من يشتري؟ واعذرني أخي العزيز لهذا الاقحام، لأنني لا أريد أحرج هذا الرجل الشريف لذلك ردت ان اعرف
من جنابك الجواب لعلي أجد ضالتي، فأجابني الرجل مشكوراً وقال لي أستاذ هناك الكثير من هؤلاء الناس الذين لا
يستطيعون أن يشترون الجديد لضعف امكانياتهم المادية مما يضطرون بشراء هذه الخردة الميتة لرخصها، وأما هذا البائع
الشريف الذي تشاهده امامك أحياناً يمر النهار وهو لم يبع حتى قطعة واحدة، وإذا رزقه الله وبائع شيء منها فلا يزيد محصوله
على خمسة الأف دينار أو يقل لأنه يقول مع نفسه المهم خرجت للعمل حتى وإن عدت ادراجي إلى أهلي فاضي اليدين
أفضل من ان يقول الناس عني ان هذا الرجل عاطلاً وعالة على المجتمع، مع الأسف هكذا حال هؤلاء الكادحين الذين افترشوا
الأرض أو الذين يجولون ذهاباً وإيابا ليجدوا شيء رخيص ينفعهم وهم أبناء هذا البلد الغني بثراوتة، ان يكون حالهم بهذا البؤس
والحرمان….لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم…..

الثكنة العسكرية وسراي الحكومة

ومن ثم واصلنا جولتنا حتى شارع المتنبي حيث الكتب والمؤلفات التي افترشت الشارع بطوله وعرضه، والناس تنتقل من بائع
تلو الآخر باحثة عن كتاب رخيص ينفعهم ، ونحن كذلك شاركناهم البحث لنجد كتيب قد ينفعنا ايضاً، فقد وقع اختيارنا على
عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي (رحمه الله) واقتنينا كتابين من مؤلفاته الرائعة.
كل هذا وقلبنا يعتصر ألماً حينما نشاهد هذه الكتب العديدة والغنية بمعلوماتها القيمة ومؤلفوها قد بذلوا عصار جهدهم
الثقافي والعلمي والأدبي واذا بمألفاتهم وهي منثورة على الأرض هنا وهناك وتباع بهذه الاسعار البخسة وكأنها بضاعة في
سوق الخضار، مع الأسف ان يكون قدر وثمن هذا المجهود الثقافي الزاخر بالعطاء وهو يعروض بمثل هذا الشكل البئيس .
.
ثم انتقلنا بعدها إلى ساعة القشلة وهي غايتنا….. لنتعرف معاً أحبتي وأصدقائي الأعزاء على معالم هذه الساعة الأثرية
والتحفة النادرة التي أرتبط تاريخها ببناء القشلة(الثكنة العسكرية وسراي الحكومة فيما بعد) ومازالت قائمة وماثلة أمام أنظارنا
تحكي قصة زمن وتاريخ عريق، ان أول من بنى هذا المكان هو والي بغداد محمد نامق باشا سنة 1850ميلادية واكمل البناء
الوالي مدحت باشا.. الذي شيّد ساعة القشلة ذات الأربعة اوجه وبنى لها برجاً يبلغ ارتفاعه قرابة 23 متراً لايقاظ الجنود
وإعلامهم بأوقات التدريب العسكري.. تغيرت وظائف القشلة بتوالي الأحداث كما يقول التاريخ، فقد رفع العلم البريطاني فوق
برج الساعة سنة 1916م، ثم استعمل المبنى سنة 1917م مسكنا للضباط الإنكليز وعوائلهم، كما توج الملك فيصل الاول في
ساحة المبنى سنة 1921م.
القشلة وساعتها التاريخية
القشلة وساعتها التاريخية
كما اتخذ من مبنى القشلة مقرا لبعض الدوائر والوزارات في الدولة العراقية. واعتبر مبنى القشلة تاريخياً وتراثياًّ سنة 1989م،
وتعتبر القشلة واحدة من أهم البنايات التاريخية على ضفاف نهر دجلة.
وكانت هذه محطتنا الاخيرة مع هذا الصرح التاريخي الجميل وسط جموع الفنانين والشعراء والأدباء وهم يلقون قصائدهم
الرائعة وآخرون يتحاورن بمواضيع ثقافية عامة وكأنما نحن في وسط كرنفال ثقافي وادبي وفني جميل، لكن لفت انتباهنا حالة
غريبة وشاذة وتأثرنا لحالها كثيراً فقد شاهدنا مجاميع الشباب وهم يرتدون ملابس غريبة وهيئتهم لا تدل على صفات الرجولة،
وهذه الجماعة تتبع نظام لبس معين وتسريحة شعر معينة وهذه الظاهرة غير صحية بالمرة فهؤلاء الشباب المراهقين حيث
أعمارهم تتراوح ما بين 12-20 ربيعاً ويطلق على هؤلاء الشباب المراهقين بالايمو أو الكيكيه فتراهم يلبسون ملابس وسراويل
ضيقة جدا أو فضفاضة جدا، وفي أيديهم معاصم كمعصم النساء، كذلك الشعر منسدلا من الأمام ليغطي احدى أو كلتا
العينين، وآخرون نافشون شعر رأسهم كالهيبين ويقولون أنها مودة هل يجوز للرجل أن يرتدي زي النساء ويزين بزينتهن،
والأغرب من ذلك انهم يرتدون احزمتهم ليست في وسطهم كما هو معمول به، وإنما يوضع تحت الخصر والجميع يعرف أن
الحزام يربط في الوسط إي في منطقة الخصر وهذا الحزام الذي كان الناس يشيدون به عندما ينتخون بشخص ويرفعون من
شأنه فيقولون له أنت (حزام الظهر)، ولكن هؤلاء الشباب يرتدونه بهذا الشكل الشاذ فكيف سيكون الحال عندما يربط الحزام
تحث الخصر هل يجوز أن يقال عنه أنت حزام كذا !!!!! والله يا ناس شيئ معيب ومخجل، هكذا تكون المبادئ والقيم والأخلاق
وغيرتنا العراقية التي ورثناها من الأجداد، ونحن عندما نريد أن نتكلم عن تراثنا ونلجأ إليه لنستذكر به هويتنا وتاريخنا واصالتنا
وما يحمله من قيم وأخلاق سامية وبه نشحذ الهمم ونرتقي للقمم لكي نحافظ على ديمومتها والبقاء على تلك المفاهيم
والقيم والأخلاق السامية، ولا نستبعد أن يكون وراء ذألك أيادي خفية تريد النيل من قيمنا ومفاهيمنا لذلك يتطلب من الجميع
دولة ومؤسسات تربوية ومنظمات المجتمع المدني ورجال دين وقفة تضامنية جادة للحد من هذه الظاهرة الهدامة والدخيلة
على مجتمعنا والتي تتنافى ومفاهيمنا وقيمنا الاجتماعية والدينية.
سائلين المولى القدير ان يوفق الجميع بالعمل الصالح بما يخدم مصلحة بلدنا الحبيب وشعبنا الطيب..
بقلم صاحب الشريفي بتصرف

iraqkhair

موقع مستقل يهتم بالشأن العراقي والعربي في جميع المجالات الاخبارية والاقتصادية والتقنية والعلمية والرياضية ويقدم للمتابع العربي وجبة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى