فن

السينما التونسية .. 100 عام من الازدهار والتراجع

السينما التونسية : تحتفل تونس هذه الايام بمرور 100 سنة على أول فيلم في تاريخها الفني وهو “زهرة” إخراج ألبير شكلي الذي عرض في نهاية 1922 , وهو فيلم صامت قصير، من بطولة وتأليف هايدي تمزالي، وتبلغ مدته 35 دقيقة فقط.

بدأت السينما التونسية بتصوير الأفلام الوثائقية والتقارير اليومية عن الشارع التونسي، ثم تطورت مع الوقت إلى تصوير الأفلام الروائية.

ويعتبر ألبير شمامة شيكلي أبا للسينما التونسية بشكلها الروائي، وذلك مع بدايات القرن العشرين، كما ساهم شيكلي في السينما العالمية بشكل عام، فقد صوّر في مصر، وصور يوميات الحرب العالمية الثانية، إلى جانب العديد من الفعاليات العالمية.

بعد النجاح الباهر الذي حققته الصورة في الحرب العالمية الثانية، وبفعل التجربة الألمانية المميزة في استخدام الصوت والصورة لنشر الثقافة النازية؛ قرر المقيم العام الفرنسي في تونس تأسيس المركز السينمائي التونسي في حزيران 1946.

طغت على هذه الفترة حتى استقلال تونس في 1956 ما يسمى بالسينما الاستعمارية، حيث كان المستعمر الفرنسي يفرض رؤيته وأولوياته في المادة التي يطرحها للجمهور، وكانت قاعات العرض في تونس والبالغ عددها 126 آنذاك، تبث عددا قليلا من الأفلام المصرية أو العربية وفق حصة محدودة في مقابل الحصة الكبيرة من الأفلام الناطقة بالفرنسية.

الاستقلال والسينما التونسية

بعد الاستقلال في آذار 1956 تم إنشاء الشركة التونسية للإنتاج والتنمية السينمائية (ساتباك)، والتي كان من أهم أولوياتها تغطية أخبار الجمهورية الفتية، في غياب التلفزة آنذاك، ثم كان تصوير فيلم “جحا” كأول فيلم روائي طويل من بطولة النجم المصري عمر الشريف، وكانت مدينة القيروان في ذلك الوقت مكانا سينمائيا طبيعيا، وذلك بفضل طرازها المعماري العتيق، الذي يوحي للرائي أنه يعيش في القرن الرابع الهجري-العاشر للميلاد؛ ما جعلها مهوى أفئدة السينمائيين العالميين، فضلا عن التونسيين.

اقرا المزيد..والدة هيفاء وهبي تخطف أنظار الجمهور في اول ظهور لها

ثم أسست جمعية الشباب السينمائي التونسي، وأثمر ذلك عن مهرجان لأفلام الهواة تم تنظيمه في قليبية بمشاركة 24 فيلما عام 1965، والذي تحول فيما بعد إلى مهرجان دولي، ثم تطورت هذه الجمعية وأصبحت تعرف بالجامعة التونسية للسينمائيين الهواة، والتي أخذت على عاتقها إنتاج الأفلام التونسية الهامة في العقود التي تلت تأسيسها وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين.

السينما التونسية
السينما التونسية

سينما تونس بين الواقع والحلم

مثل السينما في باقي الدول العربية، أرادت السينما التونسية تغيير الأوضاع البائسة في العالم العربي، وإزالة آثار هزيمة 1967، ومحاولة خلق واقع جديد وتحسين المزاج العربي السوداوي في تلك الفترة.

اما النوادي السينمائية التي انتشرت في أنحاء تونس فكانت نواة لثورة فنية نسائية قادتها مجموعة من المخرجات الهاويات للتفوق على سطوة زملائهن الرجال على صناعة السينما.

الاستقلال والاستعمار

دعا الحبيب بورقيبة رئيس تونس إلى عقد مجلس رئاسي لمناقشة الحالة الثقافية في البلاد بعد الاستقلال، وكانت السينما على رأس الأولويات كونها تمثل أداة فعالة لرفع معنويات الشعب وتدعيم ثقافة الاستقلال عن المستعمر، ولم تقتصر هذه الحالة على تونس وحدها، بل إن معظم الدول الإفريقية التي نالت استقلالها بدأت تتنبه إلى دَور الثقافة والسينما والفنون بعامة في إذكاء روح المواطنة واستشعار الهوية، ومن هنا ولدت فكرة أيام قرطاج السينمائية، كجامعة لأفكار وثقافات الفيدرالية الإفريقية الوليدة، كما قال بابا ديوب رئيس الجامعة الإفريقية للنقد السينمائي.

مراحل تطور السينما التونسية

تجربة السينما في تونس قد تطورت بفعل الأحداث الداخلية والمؤثرات الخارجية والنظريات العالمية، وأنها مرت بالمرحلة الوطنية أولا حيث كان للقيادة السياسية تأثير كبير في المادة السينمائية المطروحة.

وبعد توطيد أسس الدولة الحديثة توجهت السينما إلى حالة من الاستقلالية دفعتها إلى رصد هموم المواطن اليومية، وتسجيل واقع حياة الفرد والمجتمع تحت لافتة السينما الواقعية.

فاطمة 75

في عام 1975 أخرجت سلمى بكار فيلم “فاطمة 75″، وهو مزيج بين الوثائقي والروائي، وكان أول فيلم طويل لها.

تقول عنه سلمى: عاش هذا الفيلم أكثر من 40 عاما، وتنقل بين دول العالم الكثيرة، ولاقى نجاحا منقطع النظير، وأرسل رسالة واضحة إلى السياسي والرقيب والفنان والمواطن العادي مفادها “أعطونا الحرية، وارفعوا مقص الرقيب عن إنتاجنا، وسوف تجدون أعمالا إبداعية تدوم عمرا وتسجل تاريخا”.

وتواجه صناعة السينما في تونس نفس المعوقات التي يمكن أن يشار إليها في سائر المحيط العربي، وعلى رأس هذه المعوقات ضعف التمويل وقلة الإمكانات الفنية، والشح في تبادل الخبرات العالمية، والتدخلات السياسية ومقص الرقيب.

السينما التونسية
السينما التونسية

السينما التونسية والهوية العربية وامال الشباب

ثمة تساؤلات يطرحها جيل الشباب المعاصر من المخرجين التونسيين حول الهوية ومدى ارتباطهم بجيل العمالقة القديم، وهنالك تساؤلات أخرى تتعلق بلجنة الدعم المركزية للسينمائيين الشباب وكيفية الوصول إليها، ففي الوقت الذي يرى فيه الشباب أنهم يستحقون الدعم مقابل أي عمل سينمائي يقدمونه، يرى بعض القائمين على لجنة الدعم أن بعض الأعمال لا ترقى لأن تمثل هوية السينما التونسية والعربية.

وفي المقابل يرى الشباب أن الوسط السينمائي المتمرس يطلب منك كفاءة فوق الوصف في إنجاز العمل، في الوقت الذي لا يوفر لك سوى القليل من الدعم المالي والمعنوي وتوفير الإمكانات الفنية للقيام بعمل ناجح.

اما جهات الدعم فهي تتنوع بين الأوروبية، ممثلة بالمنظمة الفرنكوفونية وبعض المنظمات الأوروبية الأخرى، ثم الجهات العربية ممثلة بعواصم مثل الدوحة وأبو ظبي ودبي.

ثورة التغيير في السينما التونسية

بعد عام 2008/2009 حدث ما يشبه الثورة التغييرية في السينما التونسية، فبعد أن كان معظم المخرجين والفنيين يتخرجون من المعاهد الأوروبية للسينما، ترى الآن أكثر من 80% من العاملين في صناعة السينما هم خريجو المعاهد المحلية المنتشرة في كافة مدن الجمهورية التونسية.

غير أن هؤلاء لا يحظون بالدعم والتقدير اللازم من الدولة أو الفئة السياسية في البلاد، وإنما هي بعض الجوائز والأوسمة التي يحصل القليل منهم عليها من المهرجانات والمواسم السينمائية.

اقرأ ايضا ..أحلام وأحدث ألبوماتها “رزق الورد” باللهجة العراقية

السينما التونسية
السينما التونسية

سينما بدون جمهور

تواجه السينما التونسية الكثير من التحديات والعقبات التي يتم التغلب عليها، ولكن ما يزال التحدي الأكبر يتمثل في غياب الجمهور التونسي…. فلا معنى للسينما إذا لم يشاهدها أحد.

فمعايير اليونسكو كما يقول مختصون في السينما تقضي بوجود 60 شاشة لكل مليون إنسان من السكان، وبالتالي فإن 12 مليون تونسي يلزمهم وجود 720 شاشة عرض مدعومة ماليا من الدولة او مستثمرون.

بالرغم من كون السينما صناعة استثمارية للكثير لكنها تبقى فنا وجدانيا راقيا وأسلوب حوار ومنصة ثقافية تطرح من خلالها الأفكار ونرى من خلالها المستقبل وتمثل لاغلب الناس مساحة من الراحة وتغيير الجو.

iraqkhair

موقع مستقل يهتم بالشأن العراقي والعربي في جميع المجالات الاخبارية والاقتصادية والتقنية والعلمية والرياضية ويقدم للمتابع العربي وجبة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى