قراءة في كتاب اسم الله الصمد
المؤلف محمد عمران والكتاب يدور حول اسم الله الصمد وللأسف فإن المؤلف كى يؤلف الكتاب في كلمة واحد بالغ في ذكر اللغويات ويا ليته اقتصر على مادة صمد ولو أنه ذكره لكان الكتاب قصيرا ولكنه كى يبلغ به حد الكتاب أتى معه بألفاظ كثيرة ادعى أنها معانى لكلمة الصمد والغريب أن كتب اللغة لا تثبت معنى في كتاب الله لأن كثيرا ما تخالف تلك الكتب كتاب الله في المعانى وكان المفروض هو التفكير في المعنى من خلال الآيات وكعادة الفقهاء هول عمران في اللفظ فقال في مقدمته :
"فنحن الآن بين يدي اسم هو من أعظم الأسماء الحسني ألا وهو الصمد وثمرة معرفته ومعرفة حقائقه لا تقدر بكنوز الأرض ولقد ورد ذكره في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن وثبت في الصحيح أنه صلي الله عليه وسلم قد بشر الرجل الذي كان يقرأها ويقول : إني لأحبها لأنها صفة الرحمن ؛ بأن الله يحبه فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته سبحانه وتعالي . وهذا الصحابي لم ينل هذه المرتبة إلا بفهمه للسورة أي بفهمه أساسا لهذين الاسمين العظيمين من أسماء الله ( الأحد - الصمد )"
والخطأ أن سورة الإخلاص ثلث القرآن لنا أن نتساءل ما هى أثلاث القرآن ؟قطعا لا رد ودعونا نتساءل هل المراد ثلث المعانى أم الألفاظ ؟
إذا كان أراد المعانى فإن هذه السورة لا تشكل إلا أقل من 1%من معانى القرآن بدليل عدم ورود أحكام فيها سوى أحكام تعد على أصابع اليد الأكثر بينما القرآن فيه ألوف الأحكام وإذا كان الرد الألفاظ فألفاظها مجتمعة لا تشكل واحد من مائة ألف ثم دعونا نتساءل كيف يساوى قليل ثلث القرآن إذا كان لا تفاضل بين سور القرآن فى أى شىء لأنها كلها كلام الله وكلام الله سواء فى المصدر وفى العمل به
وتحدث عمران عن سبب نزول الآية فقال :
"مقدمة:
روى الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله (ص): انسب لنا ربك فإنزل الله :" قل هو الله أحد الله الصمد ... السورة " ؛ قال : الصمد الذي لم يلد ولم يولد ؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث ؛ وإن الله عز وجل لا يموت ولا يورث " رواه احمد 5/134 الترمذي في التفسير 3364 والحاكم في المستدرك 2/54. وقال صحيح على شرط مسلم والبخاري ووافقه الذهبي والبيهقي في الأسماء والصفات 1/419 42 "
وقطعا لا يوجد سبب لنزول الآية كالمحكى لأنه بداهة لا نسب لله وإنما لو كان هناك سبب للنزول لكان الادعاء بأن الله له أبعاض وذرية وهو ما يناسب دين قريش من الأصنام التى تتكون من اجزاء واعضاء وتناسب أقوالهم عن كون الملائكة بنات الله وكون فلان وعلان أولاد الله
وعاد عمران لذكر ثلث القرآن وقد سبق اثبات بطلان ذلك الحديث برواياته فقال :
"وفي صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي (ص)قال :" أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن " ( صلاه المسافر 8/25 ) وعنه أيضا في نفس الباب عن النبي (ص)قال :" أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن قالوا : وكيف يقرأ ثلث القرآن ؟ قال : إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن "
وأحاديث الصحيحين متكاثرة في فضل سوره الإخلاص . وأنها تعدل ثلث القرآن ."
وتحدث عمران عن صفات الإثبات في السورة فقال :
"هذه السورة العظيمة تضمنت كل ما يجب إثباته لله من صفات الإثبات ..وبيان ذلك علي النحو التالي :
* الصمد: إثبات جميع صفات الكمال مع كون الخلائق تصمد " تقصد " إليه في حوائجها ؛ ومن ثبت له الكمال التام انتفى عنه النقائص المضادة له وأيضا ينتفي الشريك والمثيل . وإلا كان نقصا فعلى سبيل المثال : لو وجد المثيل والنظير في العزة مثلا لأنتفي الكمال في عزة كل منهما ؛ إذ لا يستطيع أن يغلب أحدهما الآخر وهكذا في باقي الصفات وأيضا : انتفاء الولد ؛ إذ الصمد لا يخرج منه شيء وليس له صاحبه ( نظير ) وبالتالي لم يلد وبالأولى وبالأحرى لم يولد (لأن الولد من جنس والده) فانتفى الأصل (الوالد) والفرع (الولد) والنظير .
* أحد: ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة فلا مثيل أو نظير أو شريك. * لم يلد ولم يولد : انتفاء الأصل والفرع
ولم يكن له كفوا أحد : انتفاء النظير والمثيل
** وصفات الكمال تثبت نصا بالصمد ولزوما ( بالأحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) كما أن صفات التنزيه تثبت نصا بالأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولزوما بالصمد .
وذلك كما اصطفي الله لملائكته من الذكر ( سبحان الله وبحمده )
** التسبيح : صفات التنزيه التعظيم .
** الحمد : التعظيم التنزيه .
فهكذا وحد الله نفسه بهذه الأصول من الإثبات والتنزيه وهى مجامع التوحيد العلمي الإعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ؛ ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن ؛ كما سبق في الحديث أنها جزء من أجزاء ثلاثة فيكون ثلث القرآن خبرا عن الرحمن وصفاته إثباتا ونفيا وهذا التوحيد الإعتقادي العلمي بمثابة إمام وقائد وسائق وحاكم على التوحيد العملي الإرادي القصدي والذي تدل عليه سورة (قل يا أيها الكافرون ) ."
وكلمة الصمد لا تعنى من يقصد ولكنها حسب ما قبلها وما بعدها تعنى الإله الفرد فالله الأحد هو الصمد أى الإله وحده ليس له والدين أو اولاد وهذا المعنى لا ينطبق سوى على كلمه الإله المتفرد بتلك الأمور وهى الأحدية أى عدم التكون من أجزاء كالخلق وعدم وجود والد أو ولد
وكالعادة يحاول عمران أن يربط بين السور فيربط السورة بسورة الكافرون وهو ربط لا أصل له فالكافرون تتحدث عن عبادة الله من قبل المسلم وعبادة الكفار لغيره ومن ثم فالدينين مختلفين كما في نهاية السورة وفى الربط قال :
"وإذا كانت سورة الإخلاص تدل على التوحيد العلمي نصا فهي تدل على التوحيد العملي لزوما
وكذلك إذا كانت سوره الكافرون تدل على التوحيد العملي نصا فهي تدل على التوحيد العلمي لزوما .
فالله تعالى وحد نفسه بهذا التوحيد وأمر المخاطب بتوحيده بنفس هذا التوحيد الذي وحد الله به نفسه ؛ وأتى بلفظة ( قل ) تحقيقا لهذا المعنى وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله بخلاف قوله ( قل أعوذ برب الناس ) فهذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله ( أعوذ برب الناس ) ؛ فإن الله لا يستعيذ من أحد فإن ذلك عليه محال ؛ بخلاف الخبر عن توحيده في
( قل هو الله أحد ) فهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد " بدائع الفوائد 2/172 زاد المعاد 1/316 : 318 ) " بتصرف " .
قال شيخ الإسلام : ولهذا كان كل ما وصف به الرب نفسه من صفات فهي صفات مختصة به يمتنع أن يكون له فيها مشارك أو مماثل فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات ؛ وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئا من الصفات بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ؛ فإسمه الأحد : دل على نفي المشاركة والمماثلة . واسمه الصمد : دل على انه مستحق لجميع صفات الكمال ( ثم قال ) : والمقصود هنا أن صفات التنزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران في هذه السورة .
* أحدهما : نفي النقائص عنه وذلك من إثبات صفات الكمال فمن ثبت له الكمال التام انتفى النقصان المضاد له ؛ والكمال من مدلول أسمه الصمد ..
* الثاني : انه ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة : وهذا من مدلول اسمه الأحد فهذان الاسمان العظيمان ( الأحد والصمد ) يتضمنان تنزيهه عن كل نقص وعيب ؛ وتنزيهه في صفات الكمال ألا يكون له مماثل في شيء منها .
واسمه الصمد يتضمن إثبات جميع صفات الكمال ؛ فتضمن ذلك : إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات النقص ."
ثم تحدث عن شرح اسم الله الصمد من خلال كتب اللغة فقال :
"وقبل أن نبدأ في تفصيل شرح إسمه ( الصمد ) ؛ ألفت الانتباه إلى الملاحظات التالية : -
جعلت الكلام كله مقسما علي ثمانية بنود كما يلي :
أولا : النقص للمخلوق . ثانيا : الكمال كله للخالق ثالثا
رابعا : سؤال غير الله ظلم عظيم وجهل . خامسا : الصمد هو أنسب الألفاظ دلالة علي المطلوب وتعريف ابن عباس لمعناه .
سادسا : أقوال السلف واجتماعها في قولين . سابعا : الإشتقاقات اللغوية ثامنا : دعاء الله باسمه : الصمد .
أولا : معلوم أن المخلوق ومنه الإنسان يتصف بنقائص كثيرة منها :-
1- الحاجة الضرورية إلى ما يدخل جوفه من مطعم ومشرب وهواء وضياء وأشعة وغير ذلك فهو أجوف له أحشاء ضعيف يتفرق بدنه ويتجزأ فيدخل فيه أشياء ويخرج منه أشياء مثل النطفة ( التي يكون منها الولد ) والبول والغائط والبصاق والنخامة والعرق وغيره ... وفي النهاية يموت ويتحلل إلى أجزاء متناثرة وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق ويتقسم ؛ وينفصل بعضه من بعض ؛ وان كان في الظاهر متماسكا مجتمعة أجزاؤه ؛ وفي حديث آدم أن إبليس قال عنه : إنه أجوف ليس يصمد (أنس / مسلم البر والصله) .
2- أصله هلوع جزوع منوع لو قصده الآخرون لقضاء حوائجهم واكثروا عليه فإنه يجزع ويقلق وتتفرق إرادته وتضعف قوته عن القيام بحوائج الناس ؛ ومهما كان مجتمع الخلق ثابتا قويا حليما كريما شجاعا فإن طاقته محدودة بعدها يثقل ويكترث ويتفرق فلا يستطيع عمل شيء ؛ وهو لا يكون إلا محتاجا فقيرا إلى الله ؛ إذ يشترط فيمن يقوم بحوائج الناس أن تكون قدرته كاملة فلا يعجزه شيء ؛ وأن تكون قوته كاملة فلا يضعفه شيء ؛ وأن تكون متانته كاملة فلا يثقله شيء ولا يمسه تعب أو لغوب ؛ وأن تكون حياته كاملة فلا يغفل ولا ينام ؛ وأن يكون علمه كاملا وحكمته كاملة فلا يضل ولا ينسى ولا يفسد ؛ وأن يكون عدله كاملا فلا يظلم مثقال ذرة ؛ وأن تكون عزته كاملة فلا يغلب بل يكون غالبا على أمره لا يعيبه شيء ؛ وهكذا في باقي الصفات حيث يشترط أن يجتمع فيه صفات الكمال كلها بلا نقص ؛ وأن تكون كل صفه منها كاملة بلا نقص .. وأنى لبشر أو لمخلوق بهذا !! وإنما هو الله الصمد وحده سبحانه وتعالى وعز وجل ؛ ومن ثم فهو وحده المقصود بحق بحوائج من في السماوات والأرض ؛ وسنزيد هذا المعنى توضيحا وتفصيلا فيما يلي :
ثانيا: الله سبحانه وتعالي اجتمعت له كل صفات الكمال مثل :
الربوبية والملكية والحياة والقيومية والعزة والعلم والحكمة والرزق والغني والجود والكرم والقدرة والمغفرة والصفح والرحمة والبر والإحسان والحلم والصبر والقداسة والهيمنة وهو ذو الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه .. ثالثا: كل صفه اتصف الله بها فهي على وجه الكمال ولا تزال بلا نقص مهما أعطى بها خلقه ؛ ..
رابعا: علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد كمل في جميع صفاته وأخص هنا صفة الكرم حتى يتبين أن كل من أنزل حوائجه بالمخلوق دون الخالق فقد سفه نفسه وظلمها ذلك بأن الله تعالى يحب الملحين عليه بالطلب والدعاء والمسألة ؛ ويحب أن يقبل إحسانه وفضله ؛ ..."
وما سبق من كلام هو تحصيل حاصل وهو إثبات الكمال لله ونفى النقص عنه وهو كلام لا يقال للناس لأن التفاصيل الصغيرة مكانها مقامات أخرى ونجد الرجل يبين أن كلمة الصمد لها معنيين الكامل والمقصود في الحوائج وفى هذا قال :
"خامسا: إذا أردنا لفظا واحدا يجمع هذه المعاني ويدل عليها بقوة فعلينا أن نبحث في هذه المعاني والألفاظ الآتية حتى نعلم أيها اقوي دلالة وأجمع لكل هذه المعاني ( الصمد - السيد - المقصود - المصمت - الجامع - الحليم )
ولا ريب أنه اللفظ الذي أثبته لنفسه سبحانه وتعالى في سوره الإخلاص وهو واحد من أعظم الأسماء الحسنى ؛ والذي من أجله ثقلت السورة حتى عدلت ثلث القرآن ؛ كما ستأتي الروايات بذلك ألا وهو : الصمد :
وتفسير السلف وعلى رأسهم حبر الأمة ابن عباس لهذا الاسم يحكى هذه المعاني السابقة ؛ حيث نجد له قولين : أحدهما أصل للآخر كما يلي :
الأول : الصمد : الذي قد كمل في سؤدده ؛ والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه ؛ والعليم الذي قد كمل في علمه ؛ والحكيم الذي قد كمل في حكمته ؛ وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد . هو الله سبحانه وتعالى هذه صفه لا تنبغي لأحد إلا له ليس له كفوء ؛ وليس كمثله شيء ... سبحان الله الواحد القهار . وهذا هو المعنى الذي فصلته فيما مضى وخلاصته أنه تعالى له صفات الكمال وله الكمال في الصفات ؛ وينبني ويتفرع عليه القول الثاني :
الصمد : السيد الذي يصمد ( يقصد ) إليه في الحوائج .
سادسا: أقوال السلف في بيان معنى الصمد مذكورة بأسانيدها في الجزء السابع عشر من فتاوى ابن تيميه وهى كما يقول شيخ الإسلام : أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة - وليست كذلك - بل كلها صواب والمشهور منها قولان :
أحدهما : " أنه الصمد الذي لا جوف له " وهو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة وهو المعروف عن ابن مسعود وابن عباس ( وقد سبق قوله الذي تبين مراده بذلك ) والحسن البصري ومجاهد وعكرمة والضحاك والسدى وقتادة وسعيد بن جبير وهو الذي قال أيضا : الكامل في جميع صفاته وأفعاله ( كما بين ابن عباس ) ؛ وبمعنى ذلك قال سعيد بن المسيب : الذي لا حشو له ؛ وابن مسعود أيضا قال : هو الذي ليست له أحشاء ؛ كذلك قال الشعبي : الذي لا يأكل ولا يشرب ؛ وعن محمد بن كعب القرظى وعكرمة : هو الذي لا يخرج منه شيء ؛ وعن ميسرة قال : هو المصمت ؛ وعن مجاهد : هو المصمت الذي لا جوف له ؛ وهذه الأقوال مؤداها حقيقته واحدة ( وقد سبق ذكرها ) ألا وهى أن المخلوق أجوف : يعنى له أحشاء يدخل فيها أشياء ( مثل الطعام والشراب ) ؛ ويخرج منها أشياء مثل الولد فالمخلوق ضعيف ناقص يتفرق ويتجزأ ويتمزق بخلاف الصمد عز وجل الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك ؛ فذاته لا تتفرق ولا تتجرأ ولا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء (لم يلد ولم يولد ) ؛ وكذلك صفاته لا تضعف ولا تنقص ولا تتفرق وإنما هو الكمال كما سبق بيانه ؛ وهذا من فقه السلف ورسوخ علمهم بالله وبصفاته وبدينه ؛ وعن الربيع :" الذي لا تعتريه الآفات "؛ وعن مقاتل بن حيان :" الذي لا عيب فيه "؛ وعن مره الهمذاني :" الذي لا يبلى ولا يفنى " ؛ وعن قتادة : الصمد :" الباقي بعد خلقه"؛ وعن مجاهد ومعمر :" الدائم " وعن ابن عطاء : هو "المتعالي عن الكون والفساد " وعنه أيضا :" الذي لم يتبين عليه أثر فيما أظهر ويريد قوله ( وما مسنا من لغوب ) وبقاؤه ودوامه من تمام الصمدية ..
الثاني : أن الصمد : هو الذي يصمد ( يقصد ) إليه في الحوائج وهذا قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين وهو متفرع ومبنى على القول الأول كما سبق بيانه .
قال ابن عباس : الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا أنزل بهم كربة أو بلاء ؛ قال الخطابي : أصح الوجوه أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج لأن الاشتقاق يشهد له . وجمع أبو هريرة بين القولين فقال : المستغنى عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد . ؛ وقال أبو بكر بن الانبارى : لا خلاف بين أهل اللغة في أنه السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم ؛ قال شيخ الإسلام : الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول من قال الذي لا جوف له وقول من قال : أنه السيد وهو على الأول أدل ؛ فإن الأول أصل للثاني ولفظ الصمد يقال على من لا جوف له في اللغة قال يحيي بن أبي كثير : الملائكة صمد والآدميون جوف ..
سابعا: بيان اشتقاق اللفظ وأصل مادته وكذا الألفاظ المتناسبة معه ( الصمد - السيد - المقصود - المصمت - الجامع ) واستعمالها في اللغة في اللسان العربي ؛ وبيان المناسبة بين اللفظ والمعنى . فهذا البند هام جدا في فهم المعاني وتصورها وترسخها في الأذهان ؛ مع التعرف على جمال وقوه وإحكام اللغة العربية في إبانتها للمعاني المطلوبة . .
1- حرف الميم :
حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه فوضعته العرب علما على الجمع فقالوا للواحد : أنت ؛ وللجمع : أنتم ؛ وللواحد الغائب : هو ؛ وللجمع : هم وكذلك في المتصل : ضربت ضربتم ؛ إياك إياكم ؛ إياه إياهم ونظائره نحو به وبهم....والمراد هنا أن الميم في الصمد مؤذنة دالة على الجمع .
2- حرف الصاد مع الميم ( صم ) :
يقول بن فارس في المقاييس : الصاد والميم أصل يدل على تضام ( اجتماع ) في الشيء وزوال الخرق والسم (...والخلاصة أن أصل هذه المادة ( صم ) الجمع ؛ والجمع فيه القوة .
3- الصاد والميم والدال :
أصلان أحدهما : ( القصد ) ؛ والآخر : ( الصلابة )
الأول : صمد يصمد ( بكسر الميم وضمها) صمدا : قصد ؛ ويقال قصدته وقصدت له ؛ وقصدت إليه ؛ وكذلك : صمدته ؛ وصمدت له ؛ وصمدت إليه وهو مصمود ؛ ومصمود له ؛ ومصمود إليه .
* بيت مصمود ومصمدا : إذا قصده الناس في حوائجهم .
الصمد والمصمد : وهو السيد ( رئيس القبيلة أو القوم ) الذي يصمد إليه قومه لقضاء حوائجهم .
الثاني : الصلابة : حيث اجتمع الشيء بعضه إلى بعض وتضام بشده ولم يكن فيه خلو ؛ وازداد تماسكه وقوته حتى صار صلبا ؛ وعبر عن هذا المعنى بتثليث الصاد والميم والدال ؛ والدال حرف قوى ؛ وتظهر قوته عند النطق به ومن أمثلة ذلك من اللسان والقاموس :-
أرض صمدة : مرتفعه غليظة متماسكة قوية ( وحولها رمال غير متماسكة ) ؛ وكذلك صخرة راسية في الأرض مستوية أو مرتفعه .
ناقة صمدة : حمل عليها فلم تلقح ؛ إذا لم يفرق الولد بطنها ..
ناقة مصماد : الدائمة الرسل على القر والجدب ؛ إذ مع شده البرد وقلة الطعام فهي دائمة الرسل ( الإمداد باللبن ) .
صماد : هو العفاص وهو جلد يلبسه رأس القارورة ( وهو بخلاف الصمام فهو أعلى منه ويحيط به ويجمع القارورة والصمام ) وكذلك ما يلفه الإنسان على رأسه من خرقة أو منديل دون العمامة ؛ فهي تجمع الرأس وهى أعلى ما في الإنسان .
يصمد المال : يجمعه .
رجل صمد : لا يجوع ولا يعطش في الحرب ؛ وهذه قمة الصلابة في الإنسان ( والخلاصة ) :
أن الرجل إذا اجتمع له من الصفات مثل ( الاجتماع والقوة والمتانة والحلم والأناة والعقل والشجاعة والكرم وسعه الصدر والأفق وغير ذلك ) فإنه يكون أهلا بسيادة قومه يصمدونه في حوائجهم ؛ وهذا هو الصمد من الناس ؛ غير أن صمديته بشرية ناقصة ؛ وهى نسبيه ؛ أعنى بالنسبة إلى أفراد قومه كما يقال في المثل الدارج ( الأعرج بين المكسحين سلطان ) فهو وإن كان صمدا من بعض الوجوه ؛ فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه؛فإنه - كما سبق بيانه - يقبل التفرق والتجزأ ؛ وهو أيضا محتاج إلى غيره ؛ فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه ؛ فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى فحقيقة الصمدية وكمالها له وحده ؛ واجبة لازمة ؛ لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه .
وإذا كان أهل اللغة قد استعملوا أسم الصمد في حق المخلوقين كما تقدم لذلك لم يقل الله تعالى في سوره الإخلاص : الله صمد ؛ بل قال : ( الله الصمد ) لأنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه ؛ فإنه المستوجب لغايته على الكمال . وال التعريفية لبيان علميته تعالى على الصمدية فلا يشاركه فيها غيره .
4- الألفاظ المتقاربة والمتناسبة : وهى التي أقواها الصمد : " الصمد - المصمت - السيد - المقصود - الجامع "
أرجو من القارئ الكريم ألا يستطيل الكلام في هذه اللغويات لأنها ركيزة أساسية في فهم الأسماء الحسنى وفي تصور عظمة اللغة العربية وانفرادها بالإبانة الدقيقة وأنها لا تماثلها لغة أخري .
(أ) المصمت : قال ابن فارس : الصاد والميم والتاء أصل واحد يدل على إبهام وإغلاق من ذلك : صمت الرجل : إذا سكت ؛ وباب مصمت قد أبهم إغلاقه ...فالمصمد أقوى من المصمت ؛ لان حرف الدال أقوى من التاء وان كانتا أختين ؛ وأذكر مثالا على ألسنة العامة الآن ؛ عندما يقام البناء على المساحة الموجودة دون نقص يعنى دون أن تتفرق المساحة إلى جزء للبناء وجزء للشارع فإنهم يقولون : البناء على الصامت؛وهذا المثال يقرب المعني جدا ).
قال شيخ الإسلام "ج 17 / ص 232 233" :
والاشتقاق الأصغر : اتفاق القولين في الحروف وترتيبها ( مع اختلاف الضبط ) .
والاشتقاق الأوسط : اتفاقهما في الحروف لا في الترتيب .
والاشتقاق الأكبر : اتفاقهما في أعيان بعض الحروف ؛ وفى جنس الباقي كاتفاقهما في كونهما من حروف الحلق ؛ إذ قيل حزر عزر أزر فإن الجميع فيه معنى القوة والشدة وقد اشتركت مع الراء والزاي والحاء والعين والهمزة في أن الثلاثة حروف حلقيه ؛ وعلى هذا فإذا قيل الصمد : بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار فهو صحيح ؛ فإن الدال أخت التاء وإن الصمت : هو السكون ؛ وهو إمساك وإطباق الفم عند الكلام .
قال أبو عبيد : المصمت : الذي لا جوف له وقد أصمته أنا ؛ وباب مصمت : قد أبهم إغلاقه ...ولهذا كان الصمت : إمساك عن الكلام مع إمكانه ؛ والإنسان أجوف يخرج الكلام من فيه لمنه قد يصمت ؛ بخلاف الصمد فإنه إنما استعمل فيما لا تفرق فيه كالصمد والسيد والصمد من الأرض ؛ وصماد القارورة ونحو ذلك ( كما تقدم ) ؛ فليس في هذه الألفاظ المتناسبة أكمل من لفظ الصمد فإن فيه الصاد والميم والدال ؛ وكل هذه الحروف الثلاثة لها مزية على ما يناسبها من الحروف ..
(ب) السيد : ( قال رجل للنبي (ص): أنت سيدنا فقال :" السيد الله " رواه أبو داود في الأدب (4806) وأحمد 4/24 25 قال الألباني : صحيح برقم ( 3700 ) في صحيح الجامع . معروف أن الغرفة المطلية باللون الأبيض ؛ أقل ضوء يكفيها لكي تستنير وتتضح فيها الرؤية ؛ بخلاف المطلية باللون الأسود ؛ فإنها تحتاج إلى أضعاف ذلك من الإضاءة حتى تستنير وتتضح فيها الرؤية ؛ ...وعلى ذلك فاللون الأسود جامع للضوء ؛ ففيه معنى الجمع ؛ والجمع فيه القوة كما تقدم في المصمد والمصمت وكما في القاموس : السواد : المال الكثير والعدد الكثير ؛ ...والسيد أصله : سيود ؛ كميت وأصله : ميوت .
وعلى هذا يمكن فهم كلام ابن فارس في المقاييس؛وكلام ابن تيميه كما يلي: قال ابن فارس :
السين والواو والدال أصل واحد وهو خلاف البياض في اللون ؛ ثم يحمل عليه ويشتق منه ؛والسواد في اللون معروف ( وذكر أمثله كثيرة منها ) فلان اسود من فلان أي : أعلى سيادة منه ؛ ويقال سادني فلان فسدته من اللون والسؤدد جميعا( لأن مادة السواد والسؤدد واحدة ) والقياس في الباب كله واحد .
قال شيخ الإسلام : " ج 17 / 226 227 "
فأصل هذه المادة الجمع والقوه ؛ ومنه يقال يصمد المال : أي يجمعه ؛ وكذلك السيد : أصله سيود ؛ ...وروي سالم عن سعيد بن جبير : أنه التقي ولا يسود الرجل الناس حتى يكون في نفسه مجتمع الخلق ثابتا وقال عبد الله بن عمر : ما رأيت بعد رسول الله (ص)أسود من معاوية ؛ فقيل له ولا أبو بكر ولا عمر ؟ قال : كان أبو بكر وعمر خيرا منه ؛ وما رأيت بعد رسول الله (ص)أسود من معاوية ؛ قال أحمد : يعنى به الحليم ؛ أو قال : الكريم ؛ ولهذا قيل
إذا شئت يوما أن تسود قبيلة فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
( ثم ذكر أقوالا للسلف في معنى السيد : سيد قومه في الدين ؛ الشريف الذي يفوق قومه في الخير الرئيس والإمام في الخير ؛ الكريم على ربه ؛ الفقيه العالم ) .
وقال أيضا " ج 17 / 230 " :
فهم إنما سموا السيد من الناس صمدا : لما فيه من المعنى الذي لأجله يقصده الناس والسيد من السؤدد والسواد وهذا من جنس السداد في الاشتقاق الأكبر ؛ ...وشيخ الإسلام بعد أن بين أن معنى القول السديد : القصد الحق العدل المستقيم المطابق الموافق ؛ قال : وتعبيرهم عن السداد بالقصد يدل على أن لفظ القصد فيه معنى الجمع والقوه ؛ ....
ومن كلامه أيضا في الألفاظ المتناسبة قال : ص 227 228 / ج 17 : وقد تقدم انهم يقولون لعفاص القارورة : صماد ؛ قال الجوهري : العفاص : جلد يلبسه رأس القارورة ؛ وأما الذي يدخل في فمه فهو الصمام ؛ وقد عفصت القارورة : شددت عليها العفاص . قلت : في الحديث الصحيح عن النبي (ص)( ثم اعرف عفاصها ووكاءها ) في اللقطه " بخ 2427 2429 " ومسلم في اللقطه " 2722/1 , 5,7 " كلاهما عن زيد بن خالد الجهني ) وصحيح برقم : (1050) في صحيح الجامع ....
(د) الجامع : قال ابن فارس : الجيم والميم والعين تدل على تضآم الشيء وذلك أضعف من المصمت الذي يدل على تضام في الشيء وزوال السم والخرق ( كما تقدم ) وبالتالي فهو أضعف من الصمد في الدلالة وكذلك يقال عن أي لفظ آخر فيه دلالة على الجمع والقوة ويثبت أن الصمد هو الأقوى والأشمل دلاله على الحقائق والمعاني المطلوب إثباتها - فسبحان الصمد – "
وكل هذا الكلام المنقول من بطون كتب اللغة لا يثبت شىء في المعنى كما لا يثبت تفاضل الألفاظ التى تطلق على الذات الإلهية
وحدثنا عن الدعاء باسم الصمد فقال :
" ثامنا:
** الدعاء بالصمد **
علمنا أن هذا الاسم فيه إثبات جميع صفات الكمال وصفات التنزيه ومن ثم فدعاء الله به يتضمن الدعاء بالأسماء الحسنى كلها ؛ وذلك يستلزم إستجماع قوى القلب العلمية والعملية والتوجه بها بصدق إلى الصمد المقصود لذاته ؛ والصدق أصل مادته القوة ؛ كما تقدم ؛ وهو هنا بذل الجهد واستفراغ الوسع ؛ حتى يؤخذ الدين بقوة في كل أجزائه وفى جميع الأحوال ؛ بالاستعانة بالله قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) وقال (أولئك الذين صدقوآ وأولئك هم المتقون) وقال ( أولئك هم الصادقون ) ؛ ويظهر ذلك في دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء العبادة .
* دعاء المسألة :
(1) توجيه القصد كله بجميع الحوائج إلى الصمد بالإقبال عليه دون ما سواه مع الأخذ بالأسباب المأمور بها شرعا واليقين بأنها - مهما كبرت وتزينت - مملوكة لله مربوبة مدبرة له فهو سبحانه ربها ومليكها وخالقها ومقدرها ؛ وهو مقيتها الذي قاتها لتوجد ؛ ثم قاتها لتستمر في الوجود ولو حبس قوته عنها هلكت وأصبحت عدما ؛ فليحذر المؤمن أن تستغرقه الأسباب فينسي الصمد .
(2) التزام آداب الدعاء كما في قوله تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين ) الأعراف / 55 ...
قال تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان 00000 الايه ) البقرة ....
(3) اجتناب الاعتداء في الدعاء : ومن ذلك ما تقدم من ترك آداب التضرع والخفية والخوف والطمع ومن أعظمه إنما هو سؤال غير الله من دون الله أو مع الله ومنه الذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك ومنه الذي يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات والذي يسأل ما لا يفعله الله ( كطلب التخليد إلى يوم القيامة ) أو الإعفاء من لوازم البشرية ؛ أو أن يجعله من المعصومين ؛ ومنه كل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره ؛ أو يتضمن خلاف ما اخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله ؛ ومنه الدعاء بالإثم وقطيعه الرحم ...
(4) الحرص على أن يكون المطعم من حلال وكذلك المشرب والملبس وما شابهه واجتناب موانع الإجابة والحرص على أن تكون المسألة عن الدين والآخرة أكثر بكثير من المسألة عن الدنيا ومتاعها ؛ ...وأعلم أيها المسلم : أن الصمد عز وجل يحب الإلحاح في الدعاء ويغضب على من لا يسأله ولا تستطل الكلام في دعاء المسألة هذا فإنه دعاء بالصمد ؛ وهو يعم دعاء المسألة بجميع الأسماء الحسنى .
وفي الحديث أن النبي (ص)سمع رجلا يقول :" اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال رسول الله (ص): لقد سأل الله باسمه الأعظم " رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وأحمد وابن حبان وصححه الحاكم وصححه الألباني في( صحيح سنن الترمذي ) .
* دعاء الثناء :-
كل ثناء على الله تعالى بما هو أهله من صفات الكمال فهو داخل في الثناء عليه باسمه الصمد وتلاوة سوره الإخلاص بالفهم الذي تبين هو ثناء على الله باسمه الصمد وبتوحيده العلمي الإعتقادي .
* دعاء العباده :-
الصدق واخذ الدين بقوه كما تقدم .
التخلق بالأخلاق الحسنه : وهى التخلق بمقتضى صفات الكمال لله التي جاء الأمر بها في الشريعة والنهي عن أضدادها ."
وكل هذا الكلام هو مطلوب في كل الأسماء والدعاء باسم معين لا يعنى شىء فكل الأسماء سواء عند الله لأنه هو المقصود