نظرات فى خطبة إنما الطاعة في المعروف
الخطيب أحمد الجوهرى عبد الجواد وقد استهل الحديث بخلق الله للخلق فقال :
"أما بعد فيا أيها الإخوة إن الله -عز وجل- هو صاحب الخلق فكل صانع قد صنع الذى صنع بتوفيقه، فإليه تعالى يرجع فضل ما صنعت يداه، كما قال ربنا: "فتبارك الله أحسن الخالقين"
وتحدث عن طاعة الله فقال :
"وهو سبحانه كذلك صاحب الأمر فكل أمر فلابد أن ترجع طاعته إلى طاعة الله فإن كانت توافقها مضى المأمور فيها، وإن كانت تخالفها فلا طاعة أبداً لمخلوق في معصية الخالق أيا كان ذلكم المخلوق من عظيم أو حقير، أو ملك أو فقير، أو عالم أو جاهل، كما قال سبحانه: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"فأفرد طاعته وأفرد طاعة رسوله ثم تحدث عن أولي الأمر دون أن يفرد لهم طاعة، لماذا؟
إشارة إلى أن طاعتهم ليست مستقلة، وإنما هى تعود إلى طاعة الله وطاعة رسوله فإنهم إن أمروا بما وافق طاعة الله ورسوله أطيعوا، وإلا فلا يطاعون، لكن -أيها الإخوة- من هم أولو الأمر في هذه الآية؟ وما حكم طاعتهم؟ وما هي أقسامها؟"
والغلط فى كلام الرجل هو أن الله أفرد طاعته وأفرد طاعة الرسول(ص)وكأن الله اشرك الرسول(ص) معه فى الطاعة وهو كلام خاطىء فمعنى طاعة الرسول(ص) هو طاعة كلام الله المنزل على الرسول(ص)وليس النبى(ص) نفسه كشخص لأنه لو جعل طاعته واجبة كطاعة الله ما قال :
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
وما نهى الله الرسول(ص) كشخص أن يحرم ما أحل الله له فقال :
"لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك"
وتحدث عن زل الأقدام فى موضوع طاعة أولى الأمر فقال :
"فانتبهوا -أيها الإخوة- يرحمكم الله فإن هذا الموضوع زلت بسببه أقدام، وضاعت في متاهته أفهام، وورثت الأمة بسبب جهله الأمراض والأسقام، ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك العزيز العلام، -أيها الإخوة-! من هم أولو الأمر؟ والجواب: أولو الأمر هم العلماء والأمراء، فالعلماء والخطباء والدعاة والوعاظ، والأمراء والرؤساء والملوك والحكام هؤلاء جميعًا هم أولوا الأمر الواجب طاعتهم كما أمرنا الله -تبارك وتعالى- في الآية السابقة، وكما قال النبي (ص)آمراً بذلك في غير ما حديث منه ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله (ص)موعظة بليغة ذرفت منها الدموع ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشيًّاً فإنما المؤمن كالجمل الآنف حيثما قيد انقاد" "
والحديث باطل ولا تصح نسبته للنبى(ص) والصحابة المؤمنين للتالى:
الخطأ ألأول علم الصحابة بالغيب ممثلا فى موت الرسول(ص) فى قولهم"إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا"وعلم النبى(ص) بالغيب(ص) ممثل فى وجود خلفاء راشدين بعده وهو ما يعارض أن الكل لا يعلمون الغيب كما قال تعالى على لسان رسوله(ص):
" ولا أعلم الغيب"
وقوله:
" وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم"
الثانى مطالبته التمسك بسنته وسنة الخلفاء مع أن المطلوب فى القرآن اتباع الوحى المنزل كما قال تعالى :
" اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم"
فلم يقل اتبعوا محمد ولا صحابته وحتى عندما طالب بالاقتداء لم يقل الاقتداء بأشخاصهم وإنما بالهدى المنزل عليهم فقال :
" قل فبهداهم اقتده"
والاقتداء بتلك السنن بناقض حديث قادم ذكر الجوهرى وهو الاقتداء بكتاب الله فقال:
"ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا وأطيعوا"
ثم قال :
"روى البخاري من حديث أنس أن النبي (ص)قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"
وروى مسلم من حديث أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: "أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشيًّاً مجدع الأطراف"
وروى مسلم من حديث أم الحصين أنها سمعت رسول الله (ص)يخطب في حجة الوداع يقول: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا وأطيعوا"
و روى ابن جرير الطبري بإسناده من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (ص)سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم
ففي هذه الأحاديث كلها - أيها الإخوة - يأمر النبي (ص)بطاعة أولي الأمر، ويحض على السمع لهم والانقياد لما أمروا به، ويحذر من مخالفتهم، لأنهم المخولون بمصالح العباد بكلمة الله تعالى وحكمه، ويبلغ الحد أن يقول النبي (ص)يعرفنا مبلغ طاعة ولي الأمر ومبلغ معصيته - يقول: "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله" والحديث أخرجه البخاري ومسلم"
وكل ما سبق من روايات ذكرها الجوهرى غير مقيدة عدا واحد بكتاب الله ولكنه بنى عليها فقال :
"لكن هذه الطاعة - أيها الإخوة - مشروطة في كل هذا بأن لا تكون في معصية الله -عز وجل-، نعم فالشرط أن تكون طاعة أولي الأمر في طاعة الله ورسوله، أما في معصية الله ورسوله، أما فيما يصادم الكتاب والسنة، أما فيما يتعارض مع كلام الله وكلام رسوله، فلا طاعة على الإطلاق، ولا سمع ولا شيء وقد دلت الآية كما أوضحت على هذا المعنى، وكما دلت عليه جملة من الأحاديث، منها سبب نزول هذه الآية، وهو يوضحها خير توضيح
قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنت تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً" روى البخاري عن ابن عباس قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي (ص)في سرية
وقد أوضح الذي حدث في هذه السرية ما روى أحمد عن علي قال: "بعث رسول الله (ص)سرية، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله (ص)أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: اجمعوا لي حطباً ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها [قال: فهم القوم أن يدخلوها] قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله (ص)من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله (ص)فأخبروه، فقال لهم رسول الله لما أخبروه: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً؛ إنما الطاعة في المعروف"
نعم إنما الطاعة في المعروف ولذا روى البخاري ومسلم عن رسول الله (ص)قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"
وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله (ص)على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان"أخرجاه "
وانتهى الرجل إلى أن الطاعة فى الحق وهو كتاب الله وعصيان أولى الأمر واجب فى الباطل واجب فقال :
"فالطاعة إنما تكون فى المعروف الذى يقره الشرع، أما فى معصية الله فلا طاعة ولا كرامة، هذا كلام ربنا وكلام نبينا
وهذا فهم سلفنا الصالح الذي به عملوا فى هذه المسألة وإياه علموا وإليه أرشدوا
روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس حوله مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله (ص)في سفر، فنزلنا منزلاً فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره إذ نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة جامعة فاجتمعنا إلى رسول الله (ص)فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً" [النساء: 29] قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله "
وحديث ابن عمرو لا يصح لأن تكلم عن علم النبى(ص) بالغيب وهو ما نفاه الله عنه فقال على لسانه:
" ولا أعلم الغيب"
كما أنه تحدث عن تولى مؤمن بعد الفتح للولاية وأهل قبل الفتح موجودين أحياء وهو ما يعارض كتاب الله فى أنه قرر حكم وهو تولى المجاهدين قبل فتح مكة على من أسلموا وجاهدوا بعد الفتح فقال :
"لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا"
ودولة المسلمين لا تتحول لدولة كافرة بعد أربعين سنة من الهجرة وإنما بعد قرن على أقل تقدير حين يموت كل المجاهدون قبل الفتح ويأتى الخالف التالف وأخرهم مات سنة سبعين وفى رواية مائة
ونقل كلام ابن كثير فى الأحاديث فقال:
قال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكر الأحاديث التي مرت معنا -: فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: "أطيعوا الله"أي: اتبعوا كتابه"وأطيعوا الرسول"أي: خذوا بسنته"وأولي الأمر منكم"أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح: "إنما الطاعة في المعروف" وروى أحمد عن عمران بن حصين، عن النبي (ص)قال: "لا طاعة في معصية الله"
وقوله: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"قال مجاهد وغير واحد من السلف أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله"
ونلاحظ تناقض أقوال القوم فمرة يردون للسنة ومرة يردون إلى الله ومرة يردون للكتاب والسنة وهو ما قاله فى الفقرة التالية:
"وهذا أمر من الله -عز وجل-، بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" [الشورى: 10] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"
فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر
وقوله: "ذلك خير"أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع في فصل النزاع إليهما خير"وأحسن تأويلاً"أي: وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد وقال مجاهد: وأحسن جزاء وهو قريب "
وهذا الكلام كله باطل فالرد فى الآية إلى الله وأما الرسول المقصود الرد إلى الوحى المنزل عليه وليس إلى شخص النبى(ص) نفسه
والسؤال كيف نرد إلى الرسول(ص) وقد مات ؟
سيقولون إلى كلامه وماذا نفعل إذا كان معظم الكلام المنسوب إليه متناقض فى معظم المسائل ؟
وسيكون الرد الرد إلى كتاب الله كما سيأتى فى كلام الجوهرى والسؤال إذا ما الفائدة طالما أن الرد فى النهاية سيكون إلى الله
وتحدث عن طاعة أولى الأمر فقال :
"فهذا -أيها الإخوة- كلام ربنا وكلام نبينا وكلام سلفنا في أنه يجب طاعة الأئمة والأمراء والحكام وتبجيلهم واحترامهم فإن تقديرهم من تقدير الله -عز وجل- كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود من حديث أبي موسى أن رسول الله (ص)قال: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه وإكرام السلطان المقسط والحديث حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب أوجب الشرع علينا طاعة أولي الأمر في طاعة الله فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة فإنما الطاعة في المعروف فلا يصح من مسلم بعد هذا التأصيل الذي أصلت من القرآن والسنة أن يقول نطيع ثم نطيع ثم نطيع تمشياً ونسجًا على هذه الثلاثية الشهيرة حلال حلال حلال لا -أيها الإخوة- فالطاعة المطلقة إنما هي لله ولرسوله (ص)فلا يعصي الله ورسوله في أمر أمرا به أو نهي نهيا عنه وكل الطاعات بعد هذا تبع لطاعة الله -عز وجل- لكن أناساً من المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله قلبوا المسألة فجعلوا طاعة العلماء والأمراء هي الأصل وطاعة الله ورسوله تبعاً لها وهذا ليس من الإسلام في شيء وقد ذم الله -تبارك وتعالى- ذلك أعظم الذم في كتابه وسمى عملهم ذلك اتخاذ هؤلاء العلماء والأمراء مصدراً للطاعة، لا يعصون ولو في معصية الله، أنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله تألهوهم وتحاكموا إليهم وعبدوهم، ولا شك أن هذا كفر بالله رب العالمين سبحانه
فإن الحكم كله لله، كما أن العبادة كلها لله، وكما أن الخلق كله لله، وهذا هو السر -أيها الإخوة- في أن الله تعالى جمع بين الخلق والأمر في قوله عز من قائل: "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "
نعم ألا له الخلق والأمر فالخلق كله خلقه، وما داموا كذلك فالأمر الواجب أن يسير فيهم هو أمره وحده، وذلك في كل شيء، ولهذا جاء الخبر بصيغة الاختصاص: ألا له الخلق والأمر أي: لا خالق إلا هو ولا آمر إلا هو جل في علاه، كما نقول: "إياك نعبد وإياك نستعين" أي: لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين إلا بك، نعم احترام العلماء والأمراء واجب، ولكن من استبان له الحكم من كتاب الله وسنة نبيه (ص)فليس له أن يدعه لأمر أو قول أحد من الناس كائناً من كان
أيها الإخوة! لقد حدث ابن عباس يوماً ببعض أمور الشرع، فقال له قائل: "إن أبا بكر وعمر يقولان خلاف هذا، فما كان من ابن عباس إلا أن قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله (ص)وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟
فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر، وهما من هما، فماذا تظنه يقول فيمن يعارض قول الله وقول رسوله ببعض آراء من ينسبون إلى العلم وبعضهم في الحقيقة ليسوا بعلماء؟! ومثل هذا الذي حدث من ابن عباس حدث من ابن عمر ولكن مع من هو أوثق وشيجة وأشد قربى، فقد سئل ابن عمر عن المتعة في الحج - أي عمل العمرة ثم التحلل منها، ثم الشروع في أعمال الحج بعد هذا عند دخول وقته، فقال: هو سنة نبيكم (ص)فقيل: إن عمر كان ينهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: ومن عمر؟ أأمر رسول الله (ص)أحق أن يتبع أم قول عمر؟؟!
سبحان ربي إنه لا توقير ولا احترام ولا تقدير في تقديم قول القائل كائنًا من كان وأيًّا كان على قول الله وقول رسوله بل التقدير والاحترام والتقدير كله حتى للذي كنت تريد أن تتبع رأيه أن تذهب به إلى ما قاله الله وقاله رسوله (ص)وهل ضاع الإسلام إلا من هذا؟ فمن هنا أتينا
يوم نحّى الناس شرع الله وتحاكموا إلى قول فلان وفلان، ورحم الله الأئمة المتبوعين الذين أرادوا أن يعلموا الناس الدرس الغالي العظيم الذي به يفلحون ويسعدون، فما منهم من أحد إلا وقد نهى عن اتباعه، والعمل بأقواله، وأمر بتجريد اتباع وطاعة الله ورسوله فيا ليت أتباعهم يعون ويسمعون ويا ليت قومي كذلك يعلمون"
ما زال الجوهرى مصرا على إشراك الرسول(ص) كشخص مع الله مع أن لا حل لعملية الاشراك سوى أن يكون تفسير الرسول تفسير لله بمعنى أنه كلام الله المنزل على الرسول(ص)وليس الرسول كشخص وإلا كنا نطيع اثنين وهو الاشراك عينه
وضرب الجوهرى مثلا فى المسألة فقال :
"وأسوق إلى حضراتكم بعض أقوالهم في هذا لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم - بل لمن يقلد اليوم من هم دونهم بدرجات تقليداً أعمى - ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء، فاستحلوا الربا بقول بعض هؤلاء، واستحلوا الدخان بقول آخرين، ولبست المرأة البنطال بمثل هذه التكأة والحجة الباطلة، إلى آخر هذه الأفعال الرذيلة المعتمدة على الفتاوى الهزيلة، والله -عز وجل- يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون"
فاسمعوا: ما ذا يجب علينا أن نتبع؟ القرآن والسنة لا أقوال أشباه العلماء الذين انحرفوا عنهما ويقولون: "علقها في رقبة عالم واطلع سالم" "
الرجل يذكر آية تقول بطاعة وهى اتباع المنزل فقط وهو كتاب الله ومع هذا يقول السنة فأى سنة وكلام الله موجود وهو المنزل على الرسول(ص) ؟
وتحدث ناقلا كلام القوم فى اتباع السنة وليس فى اتباع كتاب الله فقال :
"فاسمع إذا ماذا يقول العلماء:
فأولهم الإمام أبو حنيفة وقد روي عنه أصحابه أقوالاً شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالسنة وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها منها قوله:
(إذا صح الحديث فهو مذهبي)
وقال: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه)
وفي رواية: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً) وقال: (ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف) لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غداً وأرى الرأي غداً وأتركه بعد غد)
(إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول (ص)فاتركوا قولي)
وهذا مالك بن أنس قال: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه)
(ليس أحد بعد النبي (ص)إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -)
قال ابن وهب: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس قال: فتركته حتى خف الناس فقلت له: عندنا في ذلك سنة فقال: وما هي قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو ابن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله (ص)يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه فقال: إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع
وأما الإمام الشافعي فالقول عنه في ذلك أكثر وأطيب وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد فمنه: (ما من أحد إلا وتذهب عنه سنة لرسول الله (ص)وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله (ص)لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله (ص)وهو قولي)
(أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله (ص)لم يحل له أن يدعها لقول أحد)
(إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله (ص)فقولوا بسنة رسول الله (ص)ودعوا ما قلت) (وفي رواية (فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد) (إذا صح الحديث فهو مذهبي)
(أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث فأعلموني به أي شيء يكون: كوفياً أو بصرياً أو شامياً حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً)
(كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله (ص)عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي)
(إذا رأيتموني أقول قولاً وقد صح عن النبي (ص)خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب)
(كل ما قلت فكان عن النبي (ص)خلاف قولي مما يصح فحديث النبي (ص)أولى فلا تقلدوني
(كل حديث عن النبي (ص)فهو قولي وإن لم تسمعوه مني)
وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعاً للسنة وتمسكاً بها حتى (كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي) ولذلك قال:
(لا تقلدوني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا)
وفي رواية: (لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء ما جاء عن النبي (ص)وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير)
وقال مرة: (الاتباع أن يتبع ما جاء عن النبي (ص)وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير)
(رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) (من رد حديث رسول الله (ص)فهو على شفا هلكة)
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالدليل والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً، وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مبايناً لمذهبهم ولا خارجاً عن طريقتهم بل هو متبع لهم جميعاً ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة والله تعالى يقول: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً
أما بعد فأيها الإخوة إن من استبان له الدليل في مسألة من المسائل عن الله ورسوله ولم ينقد لحكمهما اتباعاً لقول أحد من الناس يخشى عليه الفتنة عند الموت والزيغ عند الشهادة بالحق عند الموت، وفي القبر، وكذا يخشى عليه الهلاك في الحشر، وعند السؤال يوم الحساب، وهذا الكلام ليس من عندي ولا من عند أبي ولكنه قول الله العظيم في قرآنه
قال الله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم
قال الحافظ ابن كثير : أمر رسول الله (ص)هو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنًا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عَمَلًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ" والمعنى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" أي: فليحذر وليخْشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك وقد كان الإمام أحمد تعالى يقول: (عجبت لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك)
إن الواجب على المكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه، كما قال تعالى: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون"
وقال تعالى: "أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون"
نعم فلا يوزن قول الله تعالى وقول رسوله بقول أحد وإنما يوزن بقول الله وبقول رسول الله قول كل أحد كما قال الزهري: إن رسول الله (ص)هو الميزان الأكبر الذي توزن عليه الأشياء على سنته وسيرته وهديه (ص)فما وافقها فهوالحق وما خالفها فهو الباطل "
الجوهرى يذكر الآيات التى تطالب باتباع الكتاب وهو المنزل من الرب ولكنه يصر على أن يشرك الرسول(ص) فى الطاعة وهى الاتباع ذاكرا السنة فهل ذكرت السنة فى الوحى ؟
بالقطع الاتباع هو لكلام الله وحده وأما الرسول محمد(ص) فنحن نطيع الوحى المنزل عليه فقط الذى قال الله فيه :
"وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوة"
وكلام الرسول(ص) وأعماله ليست وحيا كلها وإلا ما معنى نهى الله عن تحريم ما أحل الله له فى قوله تعالى :
" لم تحرم ما أحل الله لك "
وما معنى ان يذكر الله أنه له ذنوب قبل الفتح وبعده فى قوله :
" إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"
فهل نتبع الرسول(ص) فى ذنوبه حتى نكون مقتدين به ؟
كلام لا يقوله مسلم
وتحدث الرجل عن أن طاعة أولى الأمر محرمة إذا كانت تخالف المنزل من الله فقال :
"ورحم الله الإمام مالك الذي سئل يوماً عن الإحرام هل أحرم من البيت؟ فقال لسائله بل أحرم من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة فقال السائل: فهل في إحرامي من بيتي شيئ؟ قال الإمام: نعم أخشى عليك الفتنة قال: الفتنة في بضع خطوات؟ قال: نعم فإن الله قال عن نبيه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " [وفي الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي وحسنه الألبانى عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي (ص)يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [فقلت له: إنا لسنا نعبدهم قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحللون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى قال: فتلك عبادتهم"
فسمى الله طاعة أولى الأمر من حكام أو علماء فى معصية الله تعالى عبادة وطاعة لهم من دون الله فالحذر الحذر عباد الله!
وقد عمت البلوى -أيها الإخوة - بمثل هذا فترى الرجل يعمل في أمواله ونفسه أو تجارته أو زرعه بالشيء فتنهاه عن ذلك وتذكر له قول الله وقول نبيه فيرد عليك بكل هدوء وكأنه صاحب حق حقيق لقد قال -يعنى من المنتسبين الى العلماء أو العلماء- فلان كذا وقال فلان كذا فاستحلوا الربا بقول فلان واستحلوا الخمر بقول فلان واستحلوا التدخين بقول فلان وصاروا يترخصون في دينهم بما يتبعون من أقوال هؤلاء العلماء أو المنتسبين إلى العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ولتعلم أيها الحبيب أن الذي يفعل هذا إنما يتبع هواه لأنهما اثنان لا ثالث لهما إما اتباع الله ورسوله وإما اتباع الهوى قال -عز وجل-: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
وهذا هو الذى حذرنا الله أن نهلك بسببه ونضل فقال مخاطبًا نبيًا كريما هو داود عليه السلام يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ "
وعن زياد بن حُدَيْر قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟، قلت: لا، قال: يهدمه زلَّة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلِّين"
أيها الإخوة! ومن سبق ذلك منه فى الماضى جهلًا بما أصلنا الآن فليتب الى الله تعالى وليرجع الى حكمه -عز وجل- "فإن من أطاع العلماء والأمراء في تحليل الحرام أو العكس واعتقاد أن هذا جائز مع العلم بأنه خلاف الشرع فيكون قد عبدهم وهذا بلا شك قد كفر، أما إذا تبعهم جهلًا أو اجتهادًا فهذا لا يكون عبادة لهم ولا يدخل في الوعيد؛ لأن الإنسان مطالب بسؤال العلماء والأخذ بفتواهم فيما لا يعلم مخالفته لشرع الله"
إذا المطلوب هو طاعة شرع الله وحده دون غيره